رشيد خالص
رشيد خالص
السبت 18 أكتوبر 2025 - 05:24

الصحراء المغربية تحرك المياه الدبلوماسية بين موسكو والرباط والجزائر

تشهد الساحة الدبلوماسية المغاربية تحركات مكثفة خلال الأيام الأخيرة، عقب التصريحات غير المسبوقة لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بشأن قضية الصحراء المغربية، والتي عبّر فيها عن انفتاح موسكو على مقترح الحكم الذاتي المغربي كحل واقعي وذي مصداقية لإنهاء هذا النزاع الإقليمي المزمن، في حال تم اعتماده في إطار توافق بين جميع الأطراف وتحت إشراف الأمم المتحدة.

هذا الموقف الروسي الجديد، الذي يُعدّ تحولًا مهمًا في السياسة التقليدية لموسكو تجاه ملف الصحراء، أثار اهتمام الرباط واستنفار الجزائر، فكان أن تحرك كل طرف بطريقته لتثبيت موقعه في خريطة التحالفات الدولية الجديدة.

زيارة ناصر بوريطة إلى موسكو: تعزيز الثقة وتكريس الانفتاح الروسي على المقترح المغربي؛

في خطوة وُصفت بالدقيقة والاستراتيجية، بادر وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة إلى الاتصال بنظيره الروسي مباشرة بعد تصريحات لافروف، قبل أن يقوم بزيارة رسمية إلى موسكو يومي 16 و17 أكتوبر، تزامنت مع ترؤس روسيا لمجلس الأمن الدولي، ما منح اللقاء بعدًا دبلوماسيًا خاصًا.

الزيارة، التي تندرج في إطار الحوار السياسي المنتظم بين البلدين، شكلت منعطفًا جديدًا في العلاقات المغربية-الروسية، حيث تم التوقيع على عدد من الاتفاقيات الاقتصادية والعلمية والقطاعية، أبرزها اتفاق جديد في مجال الصيد البحري، واتفاقات لتعزيز التعاون التجاري والعلمي.

لكنّ البعد السياسي ظل حاضرًا بقوة؛ إذ أكد بوريطة أن المباحثات مع لافروف كانت “مطولة وغنية”، وتمحورت بشكل خاص حول ملف الصحراء المغربية، مشيرًا إلى أن الطرفين متفقان على أن الحل يجب أن يكون “سياسيًا وواقعيًا ومتوافقًا مع القانون الدولي”، دون السماح بتأويلات تعرقل المسار الأممي.

من جهته، أكد لافروف أن موسكو تنظر بإيجابية إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي، باعتباره أحد أوجه ممارسة تقرير المصير المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، في أول اعتراف روسي صريح بواقعية هذا الطرح.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة تعكس انفتاح روسيا المتزايد على الرؤية المغربية، في وقت تسعى فيه موسكو إلى توسيع حضورها في شمال إفريقيا ضمن مقاربة براغماتية تراعي مصالحها الاقتصادية والسياسية، دون الدخول في محاور إيديولوجية مغلقة كما في حقبة الحرب الباردة.

الجزائر تتحرك نحو كييف… محاولة للرد الدبلوماسي وموازنة النفوذ الروسي؛

في المقابل، سارعت الجزائر إلى القيام بتحرك مفاجئ نحو أوكرانيا، بعد أيام فقط من زيارة بوريطة إلى موسكو، في خطوة فُسّرت من قبل المراقبين على أنها رد فعل غير مباشر على التقارب المغربي الروسي الأخير.
فقد أعلنت وسائل إعلام جزائرية عن زيارة رسمية لوفد جزائري رفيع إلى كييف، جرى خلالها بحث اتفاقيات تعاون في مجالات التكنولوجيا والزراعة والطاقة.

هذه الزيارة تأتي في سياق توتر العلاقات بين موسكو وكييف، ما يجعل التحرك الجزائري محمّلًا برسائل سياسية أكثر من اقتصادية، خصوصًا في ظل التوقيت الحساس الذي تتزامن فيه مع رئاسة روسيا لمجلس الأمن الدولي ومناقشة الملف المغربي داخل المجلس خلال الأسابيع المقبلة.

ويرى محللون أن الجزائر تسعى من خلال الانفتاح على أوكرانيا إلى إظهار نوع من التوازن في علاقاتها الخارجية، في محاولة لاستثمار التناقضات الجيوسياسية بين الشرق والغرب، وتأكيد استقلالية قرارها الدبلوماسي، إلا أن توقيت التحرك ووجهته يُظهران رغبة ضمنية في الرد على الحراك المغربي الروسي الأخير.

تحولات جيوسياسية… والمغرب يثبت حضوره كلاعب متوازن:

في قراءة أوسع للمشهد، يرى مراقبون أن التحرك المغربي الأخير يعكس نضجًا في الدبلوماسية المغربية، التي أصبحت قادرة على التحرك بمرونة بين العواصم الكبرى، مع الحفاظ على توازن دقيق بين شركائها الغربيين والشرقيين.

فالمغرب، الذي يحتفظ بعلاقات قوية مع واشنطن وباريس ومدريد، يوسّع اليوم هامش تحالفاته نحو موسكو وبكين، في وقت يشهد فيه النظام الدولي إعادة تشكل موازين القوى على خلفية الأزمات الاقتصادية والحروب الإقليمية.

وفي المقابل، تبدو الجزائر أكثر انفعالًا في حركتها الدبلوماسية، إذ يطغى عليها هاجس الرد على المغرب أكثر من بناء رؤية استراتيجية متكاملة، خصوصًا بعد أن بدأت العديد من الدول الكبرى في تبني الموقف المغربي أو دعمه ضمنيًا داخل أروقة الأمم المتحدة.

مما تجسد في التحركات الجزائرية نحو كييف كـ محاولة لخلق توازن رمزي أكثر منه عملي، في مشهد يعكس تباينًا في الرؤية والفاعلية بين دبلوماسيتين:
• دبلوماسية مغربية تتجه نحو التأثير الذكي وتوسيع الشراكات المتوازنة.
• ودبلوماسية جزائرية ما زالت أسيرة ردود الفعل وهاجس الصراع الإقليمي.

وفي خضم هذا المشهد، يبدو أن الملف المغربي يحقق اختراقات نوعية في دوائر القرار الدولي، في وقت تتجه فيه موسكو — التي تترأس مجلس الأمن — إلى مقاربة أكثر واقعية ومتوازنة تجاه قضية الصحراء، وهو ما قد يشكل منعطفًا دبلوماسيًا جديدًا في مسار النزاع الذي عمر لأكثر من نصف قرن.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من سياسات دولية

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق