إفادة
إفادة
الثلاثاء 12 يونيو 2018 - 09:00

‎الشعر في الشارع.. رؤية جديدة للشعر والفن

في الوقت الذي ينظر فيه إلى الشعر على أنه جنس مستقل بذاته عن باقي الأجناس الأدبية والجمالية الأخرى، له حدده اللغوي والتعبيرية المغلقة والمنغلفة، وأنه مقتصر فقط على تلك الصلة التي تربطه بالمتلقي بشكل منعزل، وذلك عبر الكتاب أو في أبعد تقدير على شاشات الكومبوتر في عصرنا هذا… أخذ كل من الشاعرين عزالدين بوركة (من المغرب) وكورينا رويدا بوريرو (من بانما) الشعر خارج دائرة الانعزال والانغلاق تلك، إلى الشارع بالتحديد. بمعية كل من والفنان البصري المعاصر رشيد باخوز، والفنان والعازف محمد أرتوف artouf، في تكامل جمالي بين الشعري والبصري والموسيقي والأداء. وذلك ضمن استعراض شعري-فني أطلقوا عليه: “الشعر في الشارع street poetry”. وهو وليد الإقامة الشعرية الفنية، الأولى من نوعها في تاريخ الشعر في المغرب، والتي جمعت بين الشاعران، في مدينة سلا على محاذاة البحر وفي قلب المدينة القديمة، بدعم من بيت الشعر في المغرب والسفارة بانمية في الرباط.

احتضنت ساحة الأمم المتحدة (مارشال سابقا) بالدار البيضاء عرضا شعريا-فنيا أدائيا (برفورمانس شعري)، يوم الأحد 10 من شهر يونيو 2018، يجمع بين الشعر والبصري والموسيقي والأداء المباشر أمام الجمهور العادي، قاده كل من الشاعرين عزالدين بوركة وكورينا رويدا بوريرو بمعية الفنانين رشيد باخوز ومحمد أرتوف، إذ جمع هذا العرض (البرفورمانس) بين القراءة الاستعراضية للشعر وبين العزف الموسيقي والإنشاء الفني، في تكامل سينوغرافي وحّد بين المسموع والبصري والشعري والصوتي والحركي.
استطاع الشاعران أن يخرجا بالشعر إلى الشارع والاقتراب به من الجمهور الواسع، في ظل الوقت الذي تقل فيه مقروؤية الشعر واهتمام الناس به، حيث تعد هذه البادرة الفنية-الشعرية طريقا نحو الانفتاح على جماهير جددة، وتقريب الشعر من العامة عبر رؤية فنية تمزج بين الشعر والتشكيل والموسيقى والأداء الممسرح للشعر، في ما يسميه الشاعر والباحث الجمال عز الدين بوركة بـ”مَسْرَحَة الشعر وأدائه”. ويضيف في هذا الصدد قائلا: “ليس الغرض من هذا البرفورمانس الشعري والفني التوقف عنده فحسب، بل هو خطوة نحو إحداث اتجاه فني-أدبي يجمع بين الشعر وباقي الاتجاهات الفنية، بما فيها التشكيل والموسيقى والرقص والاستعراض…الخ، من أجل الانفتاح على جماهير متعددة، وتخطي الرؤية القائلة بأن الشعراء يعيشون في عوالم بعيدة ومستحيل الاقتراب منها، فالشعر والفن ملك للكل، وعلى الشعر أن يخرج من قفص اللغة والكتب”. وتؤكد الشاعرة البنمية كورينا رويدا بوريرو فرحها بانجاز هذا العرض الفني-الشعري الأول من نوعه في المغرب، والذي يقرّب بين الضفتين الأطلسيتين، وبين العوالم البعيدة، ما يكسر الحواجز والأسوار والجدران، ويفتح الأبواب على مصراعيها في وجوه كل الفئات العمرية والاجتماعية للدخول إلى عوالم الشعر والفن، والذهب بهذين الأخيرين –كما تؤكد الشاعرة- إلى الشارع والخروج بهما من الأماكن المنغلقة والمسدودة والمنعزلة والخاصة. إذ إن الشعر يوجد في كل مكان وفي كل فضاء.

الخروج بالعشر:
في اسعراضهما الشعري-الفني وضع الشاعران الجمهور داخل عالم سحري ترسم طرقه تلك الموسيقى الهادئة التي صاحبت القراءة الشعرية، وحدد طرقه الدائرية ذلك العمل الانشائي الفني الذي توسط “دائرة البرفورمانس”. فقد عمدت الشاعرة بوريرو إلى قراءة قصائدها وتمريرها إلى الجمهور في تقاسم يدل على أن الشعر ليس ملكا للكاتب، بل إن هذا الأخير مجرد وسيلة عبور فحسب، بينما يبقى النص الشعري ملكا للقارئ الذي عليه أن يفعل به ما يشاء، في الوقت الذي مزّق الشاعر عز الدين بوركة نصوصه الشعرية من ديوانه “ولاعة ديوجين” بعد قراءته لها، وعمد إلى رميها في وسط الانشاء الفني الذي تتوسطه الأحرف الخشبية والرماد وتحيط به الشموع المشتعلة، في دلالة فنية وشعرية على أن الشعر الذي يخرج من الشاعر يرجع إلى أصله الذي هو الكون والرماد، كأنه الفنيق الذي يحترق ليحيا من جديد. 
الشعر إذن هو وليد اللغة والجسد –كما يؤد بوركة- وملك للقارئ، بينما الشاعر ما هو إلا طريق العبور الذي يحتاجه الشعر للخروج إلى العالم ويعبر الشوارع ليصل إلى القراء ليفعلوا به ما يشاؤون.

هدم العالم بناء للعالم:
في كلمتهما المشتركة (بالعربية والاسبانية) التي افتتح بها الشاعران الاستعراض الفني-الشعري (الشعر في الشارع)، أكدا على أن الغرض من الشعر هو تحطيم المعابد وإعادة خلقها من جديد، تحطيم القديمة وبناء خريطة طريق جديدة، معابد ليست للعبادة بل لإعلاء العشر والفن، بينما يبقى هذا الأخير فنيق يحيا من رماده. فبعد الدمار والتخريب (تمزيق الديوان ورميه في الرماد) يأتي الخلق والإحياء من جديد (تقديم القصائد للجمهور)؛ فمن يخرّب ومن يبني؟ قد يكون هذا السؤال من الأسئلة الجوهرية التي يطرحها هذا الاستعراض الفني-الشعري.

مَسْرَحَة الشعر:
الشعر إذن ليس حكرا على كاتبه وليس ملكا له، الشعر للكل وللاأحد، كما أعرب الشاعران، فهو يخرج عن طواعية الشاعر ومن يده، ولتأكيد هذه الرؤية الفنية اختار الشاعرين بوركة وبوريرو بمعية الفنانين باخوز وأرتوف أن يُمَسْرِحوا الشعر، وأن يقدموه داخل حقل مسرحي في الشارع العام، حيث لا قيود ولا أغلال تكبله.
في هذا الصدد يقول الفنان التشكيلي رشيد باخوز بأن هذا الحدث الفريد من نوعه في المغرب، يأتي على خلفية الانفتاح الفني والأدبي الذي باتت تدعو إليه أسماء جديدة تنتمي إلى جيل الحساسية الجديدة، التي يسكنها أسئلة التغيير والتطور والتقدم، والذهاب بالفن نحو عوالم لم يتم طرقها قط. وما مسرحة الشعر والفن هنا، إلا واحدة من بين هذه العوالم التي تفتح الأفق على التقدم الفني بالمغرب.
إذن هو حدث متفرد وجديد في المغرب، يفتح الأفق على تجديد الرؤية الفنية والشعرية، وخلق توجهات أدبية جديدة تنفتح على جل المدارس الجمالية الأخرى، ما يجعل الأدب ينزاح عن الأماكن المنغلق ليلج إلى الساحة ويلتقي مع الجماهير الأكبر والتي ظلت بعيدة عن الفن والشعر. وما “الشعر في الشارع” إلا بادرة أولى نحو هذا التحقق.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من ثقافة وفنون

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق