الساحل يساهم ب 83% من الناتج الداخلي.. هل أخطأت ليلى بنعلي فيما قالت ؟
في مداخلة لها، قالت وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، إن الأنشطة المرتبطة بالمجال الساحلي تساهم بنحو 83 في المائة من الناتج الداخلي الخام الوطني، مؤكدة أن الساحل يشكل رافعة رئيسية للأنشطة الاقتصادية والاجتماعية بالمملكة، من قبيل الصيد البحري والسياحة والصناعة والمنشآت المينائية وتحلية مياه البحر والطاقات المتجددة.
تصريح بهذا الحجم يضع الشريط الساحلي، الممتد على أكثر من 3500 كيلومتر، في موقع القلب النابض للاقتصاد الوطني، ويطرح في الآن ذاته تساؤلات حول مدى دقة هذا المعطى، وانعكاساته على النموذج التنموي المعتمد.
فإذا تم أخذ نسبة 83 في المائة بشكل حرفي، فإن ذلك يعني أن الجزء الأكبر من الثروة الوطنية يُنتج في المجال الساحلي أو بفضله، سواء عبر الموانئ التي تمر عبرها أغلب التجارة الخارجية، أو عبر السياحة الشاطئية، أو من خلال تمركز جزء مهم من الصناعة والخدمات في المدن الساحلية الكبرى، وعلى رأسها الدار البيضاء وطنجة وأكادير.
غير أن قراءة اقتصادية أكثر تدقيقا تُظهر أن الناتج الداخلي الخام يُحتسب وفق مقاربة قطاعية لا جغرافية، ما يجعل الفصل الصارم بين “ناتج ساحلي” و“ناتج داخلي غير ساحلي” أمرا معقدا من الناحية الإحصائية. فالفلاحة، مثلا، جزء مهم منها يوجد في مناطق داخلية، كما أن أنشطة التعدين والتحويلات وبعض الخدمات لا ترتبط كلها مباشرة بالمجال الساحلي.
وبالتالي، فإن الرقم المذكور قد يعكس مساهمة القطاعات التي تعتمد بشكل مباشر أو غير مباشر على البنية الساحلية، أكثر مما يعكس إنتاجا جغرافيا محصورا في الشريط البحري. وهو ما يستدعي توضيحا منهجيا أدق حتى لا يتحول الرقم إلى معطى مُطلق يصعب تدقيقه إحصائيا.
في المقابل، لا يختلف اثنان حول أن الساحل يحتضن أكثر من نصف سكان المملكة، وهو معطى ديموغرافي له بدوره أبعاد اقتصادية واضحة؛ إذ يعني ضغطا عمرانيا متزايدا، وارتفاعا في كلفة البنيات التحتية والخدمات، وتمركزا للاستثمار العمومي والخاص في نفس المجال الجغرافي، مقابل استمرار الفوارق مع الأقاليم الداخلية.
هذا التمركز الاقتصادي والديموغرافي يجعل من الساحل فضاءً استراتيجيا، لكنه في الآن ذاته يضاعف من هشاشته أمام المخاطر البيئية والمناخية. فارتفاع مستوى البحر، وتآكل السواحل، والتلوث البحري، كلها عوامل قد تكون لها كلفة اقتصادية باهظة إذا لم تُواكب بسياسات وقائية فعالة.
وفي هذا السياق، تؤكد الحكومة على تنزيل المخطط الوطني للساحل وتعزيز المقاربة المندمجة والمستدامة في تدبير هذا المجال، بما يشمل توسيع المناطق البحرية المحمية، وتنظيم استغلال الرمال، وتعزيز الحكامة البيئية. غير أن هذه الإجراءات، رغم أهميتها البيئية، تحمل بدورها كلفة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة، سواء من حيث الاستثمارات المطلوبة أو من حيث تأثير القيود الجديدة على بعض الأنشطة.
وعليه، فإن النقاش حول الساحل لا ينبغي أن يقتصر على إبراز أهميته الاقتصادية، بل يجب أن يشمل أيضا تقييم مدى توازن النموذج التنموي الحالي، وقدرته على توزيع الثروة جغرافيا، وتقليص الضغط على المجال الساحلي، بدل تكريس مزيد من التمركز حوله.
يبقى أن التصريح الذي تحدث عن 83 في المائة من الناتج الداخلي يسلط الضوء على حقيقة لا جدال فيها: الساحل المغربي ليس مجرد فضاء طبيعي، بل هو محور اقتصادي أساسي. غير أن تحويل هذه الحقيقة إلى أرقام دقيقة وقابلة للتدقيق يظل رهينا بتوضيحات إحصائية أكثر تفصيلا، حتى يستند النقاش العمومي إلى معطيات صلبة لا إلى تقديرات تقريبية.
التعاليق