الرعب من رفات “السنوار”
رفضت إسرائيل تسليم رفات يحيى السنوار ضمن أي صفقة تبادل محتملة.
مجرد جملة، لكنها تفتح عشرات الأسئلة التي لا تجد إجابة منطقية عند العديد من الناس.
ما الخطر الذي يمكن أن يُشكّله جسد رجل ميت على أمن إسرائيل؟
ما الذي تخشاه دولة نووية من رفات السنوار؟
وكيف يرعب إسم رجل قضى نحبه جيشاً يملك أحدث طائرات العالم؟
الحقيقة أن الخوف هنا ليس من الجسد، بل من المعنى.
السنوار، بالنسبة للجيش الإسرائيلي، ليس مجرد مقاتل أو زعيم حركة، بل رمز. موته لا يُنهي القصة، بل قد يبدؤها.
فتسليم جثمانه يعني فتح باب لسردية جديدة، رواية وطنية تتغذّى من صور الدفن والجنازة والدموع، لتتحول إلى طقسٍ جماعي، وإلى ذاكرة حية لا تُمحى.
ولذلك قررت تل أبيب أن تحارب حتى الجثة، لان الهزيمة الحقيقية لا تبدأ في الميدان، بل في المخيال الجمعي.
هنا يأتي المفكر الإيطالي أومبرتو إيكو ليشرح لنا كيف تتحول العلامات البسيطة (كصورة، أو جثمان، أو مشهد إعدام) إلى أدوات لصناعة المعنى الجماعي، بل لتأسيس شرعية بديلة عن شرعية الدولة.
السلطة، كما يقول إيكو، لا تخاف من الكلمة بقدر ما تخاف من الرمز، لأن الرمز يخرج عن السيطرة بمجرد أن يُولد في وعي الناس.
ما تفعله إسرائيل اليوم ليس جديدًا؛ لقد سبقتها أنظمة استعمارية كثيرة في هذا المسار.
حين أعدمت المحتل الإيطالي الشيخ عمر المختار عام 1931، لم تكن تخشى صوته، بل كانت تخاف صورته في وعي الليبيين.
لذلك أمعنت في دفنته في قبرٍ مجهول بلا صلاة ولا جنازة، كي لا يتحول جسده إلى مزارٍ وذاكرة، فطمست القبر حتى لا يُزار، وأخفت الرفات حتى لا يُبكى عليه.
لكنها لم تفهم أن الذاكرة لا تُدفن.
فتحولت رغما عنها صورة المختار معلقا في حبل المشنقة إلى أيقونة للمقاومة، متغلبا على كل الدعاية الاستعمارية.
أرادت روما أن تُخمد الرمز، فإذا بها تُخلّده.
الفرق بين المستعمرين قليل، وإن اختلفت أزياؤهم.
فهم جميعًا يدركون أن المعركة ليست حول الجسد، بل حول المعنى.
حين تُدفن الجثة، يبدأ الخوف من أن تنبت منها قصة، وحين تُخنق السردية، يخشون أن تعود في شكل أغنية أو صورة أو دمعة.
إسرائيل تعرف أن تسليم رفات السنوار سيمنح الفلسطينيين “مشهدًا تأسيسيًا” جديدًا، يرويه الأطفال في المخيمات، لذلك فضّلت أن تبقيه محتجزًا، كأنها تحاول احتجاز الرمز نفسه.
لكن التاريخ يقول إن الرموز لا تُسجن، ولا تُحجب خلف الأسوار.
فكل قبرٍ ممنوع يتحول إلى ذاكرة مفتوحة، وكل جثمانٍ محجوب يولد من جديد في المخيلة الجماعية.
عمر المختار عاد من التراب ليُسقط أسطورة الإمبراطورية الإيطالية، والسنوار — حيًّا أو ميتًا — سيبقى في وجدان شعبه دليلًا على أن الخوف الحقيقي في هذه المنطقة ليس من الأحياء… بل من المعنى الذي يتركه الأموات.
التعاليق (1)