إفادة
إفادة
الخميس 25 يونيو - 12:26

الحكومة تعدل مرسوم الصفقات العمومية

تتجه الحكومة إلى إدخال تعديلات جوهرية على الترسانة القانونية المنظمة للصفقات العمومية، عبر مشروع مرسوم جديد يغير ويتمم المرسوم رقم 2.22.431 المتعلق بالصفقات العمومية، أعدته الوزارة المنتدبة المكلفة بالميزانية.

ويأتي هذا المشروع، وفق مذكرته التقديمية الموقعة من طرف الوزير فوزي لقجع، بعد مرور ثلاث سنوات على دخول النص الحالي حيز التنفيذ، استجابة لملاحظات أصحاب المشاريع وأرباب المقاولات، وللحاجة إلى تبسيط المساطر وتوضيح مسؤوليات مختلف المتدخلين في مسار إعداد وإبرام وتنفيذ الصفقات.

غير أن التعديلات المقترحة لا تبدو تقنية فقط، إذ تمس عدداً من القواعد المؤثرة في تدبير الطلبيات العمومية، وفي مقدمتها معايير الانتقاء، والعتبات المالية، وآليات الشراء، وشروط المنافسة، بما يجعل المشروع الجديد محكوماً بسؤال مركزي: هل يتعلق الأمر بإصلاح لتسهيل ولوج المقاولات الصغرى والمتوسطة إلى الصفقات، أم بإعادة توجيه لمنطق الشراء العمومي نحو معيار الكلفة الأدنى؟

ويحمل المشروع حزمة من التدابير الرامية إلى تبسيط اللجوء إلى “الإشراف المنتدب” على المشاريع، وترشيد مساطر الشراء عبر سندات الطلب والعقود الخاضعة للقانون العادي، في محاولة لتقليص التعقيدات الإدارية التي كثيراً ما تشتكي منها المقاولات والمتدخلون العموميون.

كما يقترح النص الرفع من العتبات المالية المسموح بها لإبرام طلبات العروض المبسطة والوطنية وسندات الطلب، وهي خطوة تقول المذكرة التقديمية إنها تروم تشجيع المنافسة وتسهيل ولوج المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، إضافة إلى التعاونيات والمقاولين الذاتيين، إلى الطلبيات العمومية.

لكن رفع العتبات، رغم ما قد يحمله من تبسيط وتسريع للمساطر، يطرح أيضاً إشكالات مرتبطة بشفافية المنافسة، وبمدى قدرة الإدارة على منع تجزيء الطلبيات أو توسيع هامش التقدير لدى أصحاب المشاريع على حساب قواعد التنافس المفتوح.

أما التعديل الأكثر إثارة فيرتبط بمعايير تقييم العروض، إذ ينص المشروع على إعادة توجيه آليات الانتقاء من ثقافة “العرض الأفضل ثمناً” نحو “العرض الأقل ثمناً”، بدعوى ترشيد تكلفة النفقات العمومية.

وتكمن حساسية هذا التحول في أن معيار “الأقل ثمناً” قد يبدو، من الناحية المالية، وسيلة مباشرة لتقليص كلفة الصفقات على الميزانية العامة، لكنه قد يفتح في المقابل الباب أمام مخاطر كسر الأسعار، وضعف الجودة، والضغط على الأجور، خاصة في القطاعات التي تعتمد على اليد العاملة أو الخدمات المستمرة مثل الحراسة والنظافة والصيانة.

وتقر المذكرة نفسها بضرورة الحد من ظاهرة كسر الأسعار، ما يعكس وجود توتر داخل المشروع بين الرغبة في تخفيض الكلفة من جهة، والحاجة إلى الحفاظ على جودة الخدمات والأشغال واحترام شروط المنافسة السليمة من جهة أخرى.

ولضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين، أدرج المشروع مقتضى يسمح لصاحب المشروع بتقييم العروض المالية على أساس المبلغ الخام دون احتساب الرسوم، وذلك لتفادي أي تفاوت قد ينتج عن خضوع بعض المتنافسين لنظام ضريبي خاص يجعلهم خارج الإطار العادي للضريبة على القيمة المضافة.

ويتضمن النص أيضاً بعداً اجتماعياً جديداً، من خلال إلزامية تعزيز تقدير كلفة الأعمال في الطلبيات المتعلقة بخدمات الحراسة والنظافة وصيانة المباني الإدارية، وهي قطاعات تعرف عادة ضغطاً كبيراً على الأسعار، ما ينعكس في كثير من الحالات على شروط التشغيل وجودة الخدمة.

وفي هذا السياق، يبدو إدماج البعد الاجتماعي محاولة لتدارك الآثار السلبية المحتملة لاعتماد منطق “الأقل ثمناً”، خاصة عندما يتعلق الأمر بخدمات ترتبط مباشرة بحقوق الأجراء وباستمرارية المرافق العمومية.

كما يقترح المشروع تعزيز البعد الجهوي في الصفقات العمومية، عبر منح الأفضلية للمقاولات التي تمارس نشاطها الفعلي في أماكن تنفيذ الأشغال، بهدف إنعاش التشغيل المحلي وتقوية النسيج المقاولاتي داخل المجالات الترابية.

ورغم وجاهة هذا التوجه من حيث دعم المقاولات المحلية، فإنه يطرح بدوره تحدياً دقيقاً يتعلق بضرورة التوفيق بين تشجيع الفاعلين المحليين واحترام مبدأ المنافسة والمساواة بين المتنافسين، حتى لا تتحول الأفضلية الجهوية إلى مدخل لإقصاء غير مبرر أو إلى تكريس شبكات محلية مغلقة في تدبير الصفقات.

ويأتي مشروع التعديل في سياق تزايد أهمية الطلبيات العمومية باعتبارها أداة اقتصادية ومالية مؤثرة، سواء في إنعاش المقاولات أو في توجيه الاستثمار العمومي أو في تحسين جودة الخدمات والبنيات التحتية.

غير أن نجاح هذا الإصلاح سيظل رهيناً بقدرته على تحقيق توازن صعب بين ثلاثة أهداف متداخلة: تبسيط المساطر، وتوسيع الولوج أمام المقاولات الصغرى والمتوسطة، وضمان الجودة والشفافية ومنع كسر الأسعار.

فالمشكل في الصفقات العمومية لا يرتبط فقط بصعوبة المساطر أو طول آجالها، بل أيضاً بمدى نجاعة المراقبة، وجودة دفاتر التحملات، وشفافية التقييم، وقدرة الإدارة على منع التحايل، وحماية المال العام دون التضحية بجودة الإنجاز.

وبين منطق السرعة وتقليص الكلفة، ومنطق الحكامة والجودة، يفتح مشروع المرسوم الجديد نقاشاً حاسماً حول مستقبل الشراء العمومي في المغرب: هل ستكون الصفقات أداة لتقوية المقاولة الوطنية والتنمية الجهوية، أم مجرد سباق نحو العرض الأرخص؟

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من أخبار المغرب

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق