الجمارك المغربية تستعين بالذكاء الاصطناعي في مراقبة السلع المستوردة
تتجه إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة إلى إعداد استراتيجية متكاملة لإدماج الذكاء الاصطناعي في عملها، مرفقة بخارطة طريق تحدد مراحل التنفيذ والأولويات، في خطوة تروم الانتقال من الاستعمالات التقنية المتفرقة إلى منظومة أكثر تنظيما وأمنا في تدبير المراقبة الجمركية وتيسير المبادلات التجارية.
وتندرج هذه الخطوة ضمن المخطط الاستراتيجي للإدارة للفترة 2024-2028، الذي يجعل من الذكاء الاصطناعي إحدى أدوات تحديث الجمارك المغربية، إلى جانب البيانات الضخمة، والرقمنة، وتقليص الاعتماد على الورق، وتطوير أنظمة أكثر ذكاء في تحليل المخاطر.
ومن بين أبرز الاستخدامات المنتظرة، توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل صور أجهزة الفحص بالأشعة، ومساعدة الأعوان على اكتشاف الشحنات أو الأنماط غير العادية، إلى جانب تطوير نماذج تتنبأ بالتصريحات الأكثر عرضة للمخاطر اعتمادا على بيانات التصريح الموحد للبضائع.
وبصيغة مبسطة، يعني ذلك أن النظام لن يتعامل مع جميع الشحنات بالطريقة نفسها، بل يمكن أن يمنح كل عملية “درجة مخاطر”، بما يسمح بتوجيه المراقبة المكثفة نحو العمليات الأكثر إثارة للشبهة، وتسريع مرور السلع التي تظهر مؤشرات منخفضة للمخاطر.
كما تشمل الاستخدامات المحتملة التصنيف الجمركي المساعد، وقراءة الوثائق آليا، واكتشاف الاختلالات في التصريحات، وتحليل سلوك المتعاملين، وربط المعطيات المتفرقة لاكتشاف أنماط قد تشير إلى الغش أو التهرب أو التدفقات المالية غير المشروعة.
وتستند الإدارة في هذا التوجه إلى تجارب بدأت بالفعل خلال السنوات الأخيرة، من بينها إحداث “Digital Douane Lab” منذ 2022 لاستكشاف تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي والبلوكشين، إضافة إلى مشروع أطلق سنة 2025 بشراكة مع المنظمة العالمية للجمارك والجانب السويسري، يركز على إدماج الذكاء الاصطناعي في تحليل المخاطر الجمركية.
غير أن المشروع لا يقتصر على اقتناء برامج أو أنظمة جديدة، إذ يفترض أولا تقييم جاهزية إدارة الجمارك من حيث جودة البيانات، والبنية التقنية، والموارد البشرية، والقدرة على حماية المعلومات الحساسة، قبل تحديد الحالات التي يمكن البدء بها وتوسيعها تدريجيا.
وتكتسي هذه النقطة أهمية خاصة لأن الجمارك تتعامل مع معطيات تجارية ومالية وأمنية حساسة، وهو ما يجعل إدماج الذكاء الاصطناعي مرتبطا مباشرة بقضايا حماية البيانات، والأمن السيبراني، وشفافية القرارات التي تنتجها الخوارزميات.
ولهذا تتجه الرؤية المقترحة إلى إبقاء العنصر البشري داخل دائرة القرار، بحيث تساعد الخوارزمية العون الجمركي في ترتيب المخاطر وتحليل المعطيات، دون أن تحل محله بصورة كاملة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقرارات قد تكون لها آثار قانونية أو مالية على المقاولات والأفراد.
وتستفيد الجمارك المغربية في هذا المسار من تجارب دولية متقدمة. ففي الصين وسنغافورة، أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي تستعمل في تحليل المخاطر، والتفتيش الذكي، والتنبؤ بالعمليات المشبوهة، مع تقليص زمن معالجة التصريحات منخفضة المخاطر.
وبالنسبة إلى المغرب، لا يتمثل الرهان في إدخال الذكاء الاصطناعي بأسرع ما يمكن، بل في بناء منظومة تدريجية توازن بين هدفين: تشديد القدرة على كشف الغش والمخاطر من جهة، وتسريع عبور السلع المشروعة وتقليص كلفة الانتظار على المقاولات من جهة أخرى.
وبذلك، فإن التوجه العام للمشروع يرمي إلى تحويل الجمارك من إدارة تعتمد أساسا على المراقبة اللاحقة والفرز التقليدي إلى إدارة قائمة بدرجة أكبر على التنبؤ وتحليل البيانات، مع الحفاظ على الرقابة البشرية والضوابط القانونية والأمنية.
التعاليق