إفادة
إفادة
السبت 11 يوليو - 11:32

التقدم والاشتراكية يرفع سقف الوعود.. ونبيل بنعبدالله يبيع الوهم للمغاربة؟

رفع حزب التقدم والاشتراكية سقف التزاماته الانتخابية إلى مستويات غير مسبوقة، متعهدا، في حال تصدره الانتخابات التشريعية المقبلة، بإحداث مليون منصب شغل صاف، ومضاعفة عدد العاملين في المستشفيات العمومية، ورفع الحد الأدنى لمعاشات التقاعد إلى 3000 درهم، والدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم شهريا، إلى جانب زيادة الأجور وإحداث بنك عمومي للاستثمار وفرض ضريبة على الثروات غير المنتجة ومراجعة اتفاقيات التبادل الحر.
وعلى الرغم من الجاذبية الاجتماعية والسياسية لهذه الوعود، فإن جمعها داخل برنامج واحد يطرح سؤالا مباشرا حول مدى واقعيتها وإمكانية تنزيلها خلال ولاية حكومية واحدة، بالنظر إلى حجم كلفتها، وتعقيد المساطر الدستورية والمؤسساتية، وحدود تدخل الحكومة في سوق الشغل والاقتصاد، فضلا عن وضعية المالية العمومية.

برنامج حزب أم برنامج حكومة؟

تظهر أولى العقبات في الطبيعة السياسية للنظام الحكومي المغربي.
فحزب التقدم والاشتراكية يقدم التزاماته كما لو أن تصدر الانتخابات يمنحه تلقائيا سلطة تنفيذ برنامجه كاملا، في حين تقوم التجربة السياسية المغربية على حكومات ائتلافية تتشكل عبر مفاوضات بين أحزاب تختلف في مرجعياتها الاقتصادية والاجتماعية.
وحتى في حال تحقيق الحزب نتيجة متقدمة، فإن تحويل وعوده إلى برنامج حكومي سيظل رهينا بتوافقه مع شركائه المفترضين في الأغلبية، خصوصا في ملفات حساسة مثل ضريبة الثروة، ودور الدولة في الاقتصاد، والسياسة الفلاحية، ومراجعة اتفاقيات التبادل الحر.
كما أن البرنامج الحزبي لا يتحول تلقائيا إلى سياسة عمومية بمجرد الفوز، بل يمر عبر تشكيل الأغلبية، وتوزيع الحقائب الوزارية، وصياغة البرنامج الحكومي، ونيل ثقة مجلس النواب، ثم إعداد قوانين المالية والنصوص التطبيقية اللازمة.
ومن ثم، فإن عبارة “إذا تصدرنا الانتخابات سنفعل” تتجاوز سلسلة طويلة من القيود السياسية والمؤسساتية التي قد تغير طبيعة الوعود أو تقلصها أو تؤجل تنفيذها.

مليون وظيفة.. رقم انتخابي أم هدف اقتصادي؟

يظل وعد إحداث مليون منصب شغل صاف الأكثر ثقلا في البرنامج.
فهذا الهدف يعني، على امتداد ولاية من خمس سنوات، خلق صافي 200 ألف وظيفة سنويا. غير أن الحكومة لا تستطيع إحداث هذا العدد بقرارات إدارية، إلا إذا لجأت إلى توظيفات عمومية واسعة سترفع كتلة الأجور والنفقات الدائمة.
أما الجزء الأكبر من فرص الشغل، فمن المفترض أن ينتجه القطاع الخاص، وهو ما يرتبط بمعدل النمو، وحجم الاستثمار، وإنتاجية المقاولات، وسهولة التمويل، وجودة التكوين، وتحسن مناخ الأعمال.

مضاعفة أطر المستشفيات.. المال وحده لا يكفي

لا تبدو مضاعفة عدد العاملين في المستشفيات العمومية أقل تعقيدا.
فحتى بافتراض توفر الاعتمادات المالية، لا يمكن مضاعفة الأطباء والممرضين والتقنيين في ظرف قصير، لأن تكوين الموارد البشرية الصحية يحتاج سنوات، ويرتبط بطاقة كليات الطب ومعاهد التمريض وعدد الخريجين سنويا.
كما يواجه القطاع العمومي تحديا إضافيا يتعلق بالاحتفاظ بالأطر، في ظل انتقال جزء منها إلى القطاع الخاص أو الهجرة إلى الخارج.
وبذلك، لا يتعلق الأمر فقط بإحداث مناصب مالية، بل بتوفير موارد بشرية مؤهلة وغير موجودة بالعدد الكافي أصلا، وبناء مستشفيات وتجهيزها وضمان توزيع الأطر بين الجهات.

معاشات بـ3000 درهم.. من يؤدي الفاتورة؟

يتعهد الحزب برفع الحد الأدنى لمعاشات التقاعد إلى 3000 درهم، في وقت تواجه فيه أنظمة التقاعد نفسها ضغوطا مالية وديمغرافية متزايدة.
ورفع المعاشات لا يشبه تقديم دعم ظرفي، بل يشكل التزاما دائما يتكرر كل شهر ويرتفع مع تزايد عدد المتقاعدين.
ولا يمكن تمويل هذا الإجراء إلا عبر واحد أو أكثر من ثلاثة خيارات: رفع مساهمات الأجراء والمشغلين، أو تحويل اعتمادات إضافية من الميزانية العامة، أو تحميل صناديق التقاعد التزامات جديدة.
وفي جميع الحالات، لا بد من تحديد الجهة التي ستتحمل الكلفة، لأن رفع المعاشات دون إصلاح مالي مواز قد يعمق اختلالات الصناديق بدل معالجتها.

دعم اجتماعي بمليارات الدراهم

ويقترح الحزب أيضا رفع الحد الأدنى للدعم الاجتماعي المباشر إلى 1000 درهم شهريا.
ويظهر حجم الالتزام بمجرد إجراء حساب بسيط؛ فدعم مليون أسرة بهذا المبلغ يتطلب 12 مليار درهم سنويا، دون احتساب أي توسع في قاعدة المستفيدين أو تكاليف التدبير.
وفي حال استفادة مليوني أسرة، ترتفع الكلفة إلى 24 مليار درهم سنويا، ما يجعل هذا القرار واحدا من أكبر الالتزامات الدائمة التي قد تتحملها الميزانية.
وتحتاج مثل هذه الوعود إلى تحديد دقيق لعدد المستفيدين، وشروط الاستحقاق، ومصدر التمويل، حتى لا تتحول إلى نفقات مستمرة دون موارد مستقرة.

التناقض العظيم “إنفاق أكبر ودين أقل”

تظهر المفارقة الأبرز عند جمع مختلف التزامات البرنامج.
فالحزب يريد مضاعفة الموارد البشرية في الصحة، وتوظيف 12 ألف إطار تعليمي سنويا، ورفع الأجور والمعاشات، وزيادة الدعم الاجتماعي، وإحداث بنك عمومي للاستثمار، ودعم الفلاحة والصناعة والاقتصاد الاجتماعي.
وفي الوقت نفسه، يتعهد بتقليص الدين العمومي وخفض عجز الميزانية.
ولا يمكن تحقيق هذه المعادلة إلا عبر نمو اقتصادي قوي ومستدام، أو زيادات ضريبية كبيرة، أو تقليص نفقات قائمة وإعادة توجيهها، أو الجمع بين هذه الخيارات جميعا.
لكن البرنامج، بصيغته المعلنة، لم يوضح بعد أي النفقات ستخفض، أو أي الضرائب سترفع، أو ما معدل النمو الذي يبني عليه حساباته.

ضريبة الثروة.. شعار يحتاج أرقاما

يعول الحزب على فرض ضريبة على الثروات غير المنتجة باعتبارها أحد مصادر تمويل توجهاته الاجتماعية.
غير أن الضريبة على الثروة لا تتحول إلى مورد فعلي بمجرد الإعلان عنها، بل تحتاج إلى تحديد الوعاء، ونسبة الضريبة، وحدود الإعفاء، وطريقة تقييم العقارات والأصول، وآليات منع التهرب ونقل الملكية.
كما يظل السؤال قائما حول حجم العائد المتوقع منها، وما إذا كان قادرا فعلا على تمويل الزيادات المقترحة في المعاشات والدعم والأجور والتوظيف.
فحتى إذا حققت الضريبة مداخيل مهمة، قد لا تكون كافية لتغطية مجمل الالتزامات الدائمة التي يقترحها الحزب.

اتفاقيات التبادل الحر.. التفاوض لا الإلغاء

يتعهد التقدم والاشتراكية أيضا بمراجعة اتفاقيات التبادل الحر التي يعتبر أنها أضرت ببعض القطاعات الوطنية.
غير أن هذه الاتفاقيات لا يمكن تعديلها بإرادة حكومية منفردة، لأنها ترتبط بشركاء دوليين والتزامات قانونية ودبلوماسية.
وأي طلب لإعادة التفاوض قد يدفع الطرف المقابل إلى المطالبة بتنازلات تمس صادرات أو قطاعات مغربية، ما يجعل العملية أعقد من مجرد رفع شعار “المراجعة”.
كما أن هذا الملف يتحرك داخل هندسة أوسع للسياسة الخارجية والاتفاقيات الدولية، ولا يخضع حصرا لقرار حزب أو وزارة بعينها.

الفلاحة والماء.. أهداف متعارضة

ويقترح الحزب خفض استهلاك المياه في الفلاحة بنسبة 25 في المائة، بالتزامن مع رفع الإنتاج الوطني لتغطية ما بين 40 و50 في المائة من الاحتياجات الغذائية، ومضاعفة مداخيل صغار الفلاحين.
نظريا، يمكن بلوغ هذه الأهداف عبر تحسين الري وتغيير الزراعات ورفع الإنتاجية.
لكن تطبيقها يتطلب إعادة هيكلة عميقة للسياسة الفلاحية، واستثمارات ضخمة في التكنولوجيا والتجهيز، وربما فرض قيود على زراعات تستنزف المياه.
وهو ما قد يصطدم بمصالح اقتصادية قائمة، وبفاعلين استفادوا من النموذج الفلاحي الحالي، فضلا عن ارتباط الإنتاج بالتساقطات والجفاف وتغير المناخ.

الحلقة المفقودة: جدول التمويل

لا تكمن مشكلة برنامج التقدم والاشتراكية في تشخيص أزمات الصحة والتعليم والشغل والتقاعد. فهذه الاختلالات معروفة، والحاجة إلى إصلاحها لا تحتاج إلى كثير من الإقناع.
لكن الصعوبة تبدأ عندما تتحول المطالب الاجتماعية إلى أرقام والتزامات دائمة.
مليون وظيفة، ومضاعفة أطر المستشفيات، ومعاش أدناه 3000 درهم، ودعم اجتماعي بـ1000 درهم، و12 ألف مدرس سنويا، وزيادة الأجور، وبنك عمومي للاستثمار، بالتوازي مع خفض العجز والدين.
وكل واحد من هذه الوعود قابل للدفاع عنه منفردا، لكن تنفيذها مجتمعة في ولاية واحدة يفترض تحولا تاريخيا في موارد الدولة، ونموا اقتصاديا مرتفعا، وإصلاحا جبائيا واسعا، وقدرة مؤسساتية قوية على التنفيذ.
لذلك، لن يكون الاختبار الحقيقي للبرنامج في قوة شعاره الانتخابي، بل في تقديم جدول مالي واضح يجيب عن أسئلة بسيطة: كم ستكلف هذه الوعود؟ من سيمولها؟ وما النفقات التي ستتخلى عنها الدولة لتوفير الموارد؟

ومن دون هذه الأجوبة، قد يتحول شعار “نزعمو كاملين” من تعبير عن الجرأة السياسية إلى عنوان لوعود انتخابية فارغة.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من أخبار المغرب

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق