عز الدين بوركا
عز الدين بوركا
الجمعة 03 أكتوبر 2025 - 03:37

التفكير بصوت مسموع: أي تغيير نريد؟

تغيير الحكومة بعد كل هذه الأوضاع والحيثيات لا يكتسب قيمته الحقيقية إذا بقيت أسس تدبير الشأن العام على حالها، بكل ما يعج مؤسساتنا العمومية من فساد، إذ لا معنى لتبديل الوجوه أو إعادة توزيع المقاعد داخل نفس البنية ما دامت القواعد العميقة التي تنظّم السلطة لم تتغيّر. جوهر الإصلاح السياسي يكمن في إعادة بناء منظومة الحكم على ركائز واضحة: استقلال السلطات بعضها عن بعض، وفصل القرار عن المال، وضمان سيادة الإرادة الشعبية عبر انتخابات حرة ونزيهة.
الفصل التام بين السلط التشريعية والقضائية والتنفيذية ليس مجرد إجراء إداري أو قانوني، وإنما هو الشرط الذي يحمي المجتمع من اختلاط الأدوار وتغوّل جهة على أخرى. حين تكون السلطات مستقلة ومتوازنة، يصبح كل قرار خاضعا للمراقبة والمحاسبة، ويستعيد المواطن ثقته في أن الدولة ليست جسما واحدا يحتكر القرار، وإنما فضاء موزعا بين مؤسسات تضبط بعضها بعضا. في غياب هذا الفصل، تتحول السلطة إلى أداة احتكار، وتُفرغ الديمقراطية من معناها.
أما تحرير القرار السياسي من سلطة المال فهو أحد التحديات الكبرى التي تواجه المجتمعات المعاصرة. فالمال إذا هيمن على المجال العام يجعل من السياسة امتدادا لمصالح اقتصادية ضيقة، ويحوّل الانتخاب إلى سوق مفتوحة تُشترى فيها الولاءات وتُصنع فيها الأغلبية خارج صناديق الاقتراع. التجربة أثبتت أن تزاوج المال والسلطة لا يولّد إلا فسادا منظما وطبقات محصّنة ضد أي تغيير، في حين أن الفصل الصارم بين المجالين يفتح الباب أمام منافسة تقوم على البرامج والرؤى لا على النفوذ المالي. عندئذ تُقاس السياسة بقدرتها على تقديم حلول للمجتمع لا بقدرة ممثليها على تمويل الحملات أو السيطرة على الإعلام.
السيادة الشعبية (بتعزيز المجتمع المدني) هي الركيزة الثالثة، والتي لا تتحقق بالشعارات، وإنما بانتخابات حرة تتساوى فيها الفرص ويُحترم فيها صوت كل مواطن. المشاركة السياسية لا تكون ذات معنى إلا إذا شعر الناخب أن صوته يغيّر، وأن نتائج الصندوق تجد طريقها إلى التنفيذ دون تدخل أو التفاف. حين تتجسد هذه السيادة فعليا، يتراجع الإحباط وتتوسع دائرة الثقة، ويستعيد المواطن إحساسه بأنه شريك في صناعة القرار لا مجرد تابع. الانتخابات الحرة في هذه الحالة تصبح تأسيسا لعقد اجتماعي جديد يربط الدولة بمواطنيها على قاعدة الإرادة العامة.

وعندما تترسخ هذه المبادئ، تتدفق التحولات الأخرى بشكل طبيعي: الاقتصاد يتوازن لأن قواعد العدالة السياسية تحميه من الاحتكار، والثقافة تزدهر لأن الحرية تتيح لها الإبداع، والمجتمع يتماسك لأن الثقة بين الأفراد والمؤسسات تعود إلى مكانها. التجارب أثبتت أن الإصلاح حين ينطلق من الجذور لا يحتاج إلى شعارات إضافية، فكل ما هو جميل يأتي تباعا بمجرد أن تتوفر البيئة العادلة التي تسمح له بالنمو.
الأجيال الصاعدة، بما فيها جيل الرقمنة والتواصل الفوري، جيل Z، لم تعد تقبل الحلول المؤقتة أو الوعود المؤجلة. هي تطالب بنظام سياسي يوازي طموحاتها ويعترف بحقها في المشاركة الفعلية، نظام يضمن استقلال السلطات، ويحرر القرار من هيمنة المال، ويمنح السيادة للشعب عبر آليات انتخابية نزيهة. حينها يصبح التغيير حقيقيا لا سطحيا، ويستطيع المجتمع أن يفتح صفحة جديدة تُكتب فيها مستقبَلاته بيده، لا بأقلام وأفواه من اعتادوا احتكار السلطة والقرار.
///
**ملاحظة: حرق مقر الدرك ومقر العمالة والسيارات الخاصة أو الحكومية هو أمر مرفوض وإجرام… لكن لا يجب أن ننسى أن النظرية تخبرنا أن العنف يولد العنف، ونحن نتعامل مع شباب غير مؤطر حزبيا ولا نقابيا ولا جمعويا….

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من مقالات وأراء

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق