التعليم الجامعي والمال
عبد الله الترابي
التعليم الجامعي والبحث العلمي، مثله مثل أي شيء اخر في العالم قائم على الابتكار والمنافسة وتكوين أفضل العناصر أو جذبها، مبني أولًا وأخيرًا على المال، على الامكانيات المادية، على الفلوس…وأي شيء ماعدا ذلك فهو جمل انشائية ومتمنيات وأوهام.
لنأخذ مثلا تصنيف شانغهاي الاخير, فمن بين الخمسة عشرة جامعة الاولى في العالم، ثلاتة عشرة بينهن أمريكية، والقاسم المشترك بينهن هو الغنى والبحث عن التمويلات والامكانيات الهائلة التي تسمح لها بجذب أفضل الباحثين والعلماء في العالم ( اللي بحالهم بحال لاعبيي كرة القدم، يبحثون عن أحسن عرض مادي باش يخدمو ويطورو أبحاثهم).
ولكي لا نتكلم في العموميات، لنرى ميزانية جامعة هارفارد وامكانياتها، وهي المصنفة كأفضل جامعة في العالم : تتوفر الجامعة على ثروة تقدر ب52 مليار دولار ( يعني قد الميزانية العامة للمغرب سنويا واللي كنخلصو بها جميع حاجيات البلاد!!!) ويتم توظيف هذه الاحتياطي في استثمارات وتوظيفات مالية تجلب للجامعة ملايين الدولارات. جل الجامعات الامريكية الموجودة في أعلى الهرم العلمي الدولي تعتمد على التمويل الخاص ومساهمة الشركات الكبرى في تمويل أبحاث بعينها ورسوم التسجيل التي يدفعها الطلبة ( كلفة السنة الدراسية في مثل هاته الجامعات تصل الى 60 ألف دولار سنويا- أي ستين مليون سنتيم في العام – وأكثر في بعض التخصصات، ماعدا الذين يحظون بمنح دراسية). فلنتخيل ولو قليلا اذا أردنا أن نقوم بمثل هذا في المغرب، من أجل ضخ مداخيل جديدة للجامعات والقيامة اللي غادي تنوض ! أما بالنسبة لبلدنا، فميزانية التعليم العالي والبحث العلمي فحشومة حتى نذكروها ونقارنوها مع هاد الشي ( ميزانية كل جامعاتنا ومعاهدنا العلمية مجتمعة، واصلة بالكاد الى 1,5 مليار دولار سنويا الثلث ديالها يعطى كمنح للطلبة و الجزء الاكبر يذهب لرواتب الاساتذة والموظفين، وكتبقى تقريبا 20 مليون دولار للبحث العلمي وهي قيمة ما يتقاضاه ميسي في PSG، ونقدرو نديرو بها أبحاث حول دوا الفيران و منافع البومادا الصفرا).
اذن، التباكي حول عدم وجود جامعاتنا المغربية في أي تصنيف دولي للبحث العلمي هو عبث، لأنه يجب النظر في الامكانيات المادية الموضوعة أمام جامعاتنا وأنه تكون عندنا الشجاعة لاعادة النظر في النموذج الاقتصادي للجامعات المغربية من أجل موارد أفضل وأكبر ( الشراكة مع القطاع الخاص لتمويل بعض الأبحاث وفرض رسوم على الطلبة غير المعوزين)، و أن يصبح البحث العلمي والانتاج الاكاديمي المعيار الرئيسي لتقييم الاساتذة الجامعيين وتمكينهم من امكانيات أهم ( عيب أن استاذ جامعي ينهي مشواره ب23 ألف درهم وهو ما يمكن أن يربحه إطار في القطاع الخاص بعد تجربة مهنية بسيطة، كما أنه عيب أن استاذ جامعي لا يكتب حرفا ولاينتج بحثا ويتعامل مع مهنته بمنطق الريع ). الجامعة المغربية الوحيدة المؤهلة لأن تدخل التصنيفات الدولية المقبلة وبقوة هي جامعة محمد السادس المتعددة الاختصاصات، والتي خلقت مؤخرا، نظرا لامكانياتها المادية المحترمة وتوجهاتها الاكاديمية وطريقة استقطابها لأفضل الباحثين والطلبة، أما ماعدا ذلك، فنحن بحاجة لمعجزة!
التعاليق