“التشكيك في نزاهة الانتخابات”..يخلق جدلا سياسيا وحقوقيا
أثار مشروع تعديل القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، الذي يتضمّن عقوبات حبسية وغرامات ثقيلة ضد مروّجي “الإشاعات والأخبار الزائفة بقصد التشكيك في صدقية ونزاهة الانتخابات” عبر المنصّات الرقمية وأدوات الذكاء الاصطناعي، موجة نقاش حادّة بين داعمين يعتبرونه آلية لحماية الاستحقاقات من حملات التضليل، ورافضين يرونه توسعاً في التجريم يمسّ حرية التعبير. فقد نقلت تقارير صحفية مضامين المسودة التي تُشدّد العقوبات بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامات بين 50 و100 ألف درهم، مع توسيع نطاق الأفعال المعاقَب عليها لتشمل الشبكات الاجتماعية والبث المفتوح والمنصّات الرقمية، في سياق مواجهة “التلاعب الرقمي” خلال الحملات الانتخابية.
وفي خضمّ هذا الجدل، عبّر عبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، عن رفضه “إشهار القانون الجنائي داخل القوانين الانتخابية”، مؤكداً أن إبداء الرأي في الانتخابات والمرشحين “ليس إرهاباً”، ومحذّراً من متابعة مواطنين خارج المؤسسات لمجرّد تعبيرهم عن آرائهم. جاءت تصريحاته خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026، وسبق أن وثّقتها مداخلاته المصوّرة التي انتقد فيها أيضاً منهجية التعاطي مع الشباب واللجوء إلى “مستقلين” بدل تمكين الأحزاب من تجديد النخب.
ويستند المدافعون عن التعديل إلى حاجة المنظومة الانتخابية لأسلحة قانونية “رادعة” ضد التضليل الرقمي المنظّم، خصوصاً مع دخول أدوات الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى المُضلِّل، فيما ترى أطراف حقوقية وإعلامية أنّ الصياغات الفضفاضة قد تفتح الباب لتأويلات تمسّ بالنقاش العمومي المشروع حول شفافية المسار الانتخابي. هذا النقاش أتى امتداداً لمسار إصلاحات انتخابية أوسع شهدتها المملكة خلال 2021، من أبرزها تعويض الدائرة الوطنية بدوائر جهوية وتعديلات على قواعد الانتداب، إلى جانب الجدل الكبير حينها حول “القاسم الانتخابي” المُحتسَب على أساس عدد المسجّلين لا الأصوات الصحيحة.
وربط معارضون بين فلسفة التجريم المقترح و“ملف النزاهة” الذي برزت فيه قضايا قضائية بعد اقتراع 2021؛ إذ أفادت معطيات صحفية بأن 29 نائباً فقدوا مقاعدهم بسبب قضايا فساد وخرق القانون، فيما واصل 24 آخرون مواجهة المتابعة أمام القضاء، ما غذّى أسئلة حول أولويات الإصلاح: هل تكون بتشديد العقوبات على الخطاب الرقمي، أم بتعزيز آليات الرقابة والشفافية والعدالة الانتخابية على الأرض؟
في المحصلة، يقف البرلمان أمام معادلة دقيقة: توفير حماية قانونية حازمة ضد حملات التضليل التي قد تُقوِّض الثقة في الانتخابات، مع صون الحق في النقد والتعبير والرقابة المجتمعية على المسار الانتخابي. وسيكون الحسم في الصياغات النهائية—خصوصاً تحديد المقصود بـ“القصد” و“التشكيك” واشتراط القرائن التقنية والقضائية—هو الفاصل بين قانون يردع التلاعب الرقمي دون مساس بحرية الرأي، وآخر قد يُستخدم لكبح النقاش العمومي المشروع.
التعاليق