إفادة
إفادة
الجمعة 12 دجنبر 2025 - 03:42

التجربة الدنماركية وعقلاء البلد

في النقاش الدائر اليوم حول المجلس الوطني للصحافة، لا تكمن المشكلة في الأشخاص بقدر ما تكمن في الهندسة نفسها: كيف نُركّب مجلسًا يُفترض فيه أن يحمي حرية الصحافة، فإذا به يولد وهو مختلّ التوازن، مائل الكفّة، وقابل لأن يتحول من آلية تنظيم ذاتي إلى أداة ضبط واحتواء.

إذا نظرنا بهدوء إلى تركيبة المجلس، سنجد أنفسنا أمام معطى بسيط لكنه خطير في دلالته:
الصحافيون أقلية داخل مجلس يُفترض أنه مجلس الصحافة.
سبعة صحافيين فقط، في مقابل تسعة ناشرين، وثلاثة ممثلين لمؤسسات رسمية. أي أن اثني عشر عضوًا من أصل تسعة عشر لا ينتمون إلى الجسم الصحافي نفسه. هذه ليست مسألة تقنية، بل سؤال سياسي وأخلاقي: كيف يمكن لمجلس أخلاقيات المهنة أن يُحسم فيه القرار بأغلبية لا تعيش المهنة يوميًا، ولا تتحمل كلفة الكلمة، ولا تواجه ضغط المتابعة، أو هشاشة الأجور، أو الرقابة الذاتية؟

في النموذج الدنماركي، الذي يُستشهد به كثيرًا، الفلسفة مختلفة تمامًا. هناك توازن مقصود بين الصحافيين والناشرين، لكن الأهم هو حضور الجمهور: المواطن، القارئ، المشاهد.
في التجربة الدنماركية إذا كان وزير العدل يعين فليس هو من ينتدب لأنه فقط يؤشر على ما تنتدبه المنظمات المهنية المتعددة وفق اسلوبها الديمقراطي الداخلي.
ولأن الصحافة في جوهرها ليست علاقة ثنائية بين صحافي وناشر، بل علاقة ثلاثية: صحافي ينقل، ناشر يوفّر الإطار، وجمهور هو صاحب الحق الأصيل في المعلومة. اما في الصيغة المغربية، الجمهور غائب كليًا، كأن حقه في الخبر أمر ثانوي، أو كأن الصحافة شأن داخلي مغلق بين مهنيين والسلطة.

الأخطر من ذلك ليس فقط العدد، بل منطق الانتداب. حين يُمنح تمثيل الناشرين كاملًا لمنظمة واحدة تُوصَف بأنها “الأكثر تمثيلية”، نكون عمليًا أمام مأسسة احتكار تمثيلي. مفهوم “الأكثر تمثيلية” في المغرب ليس بريئًا ولا تقنيًا؛ هو مفهوم سياسي، قابل للتوجيه، وقابل لأن يتحول إلى بوابة إلزامية يمرّ منها من يُراد له أن يُمثَّل، ويُقصى من لا يُراد له أن يكون داخل اللعبة.

ثم يأتي الشرط الأخطر: ربط الوزن التمثيلي داخل المنظمة – ومن ثم داخل المجلس – برقم المعاملات وعدد الصحافيين المستخدمين. هنا نكون قد نقلنا منطق السوق إلى قلب مجلس أخلاقيات المهنة. الرسالة واضحة: كلما كنتَ أغنى، كان صوتك أقوى. هذا المنطق قد يكون مقبولًا في غرفة تجارة، لكنه كارثي في مجلس يُفترض أنه يحمي التعددية والاستقلال وحرية التعبير. بهذه الصيغة، الصحافة الرقمية الناشئة، والمشاريع الجهوية الصغيرة، والمبادرات المستقلة، تُقصى تلقائيًا لأنها لا تملك لا المال ولا الكتلة البشرية، رغم أنها تمثل – paradoxalement – مستقبل المهنة.

ما يُبنى هنا، بهدوء وبقوة القانون، هو خطر معروف في علم السياسات العمومية يُسمّى “القبض على جهاز التنظيم”: حين تتحكم الجهات الخاضعة للمراقبة في جهاز المراقبة نفسه. مجلس يُفترض أن يُحاسب الناشرين، لكنه مُركّب بطريقة تجعل الناشرين الكبار هم القوة المقرِّرة داخله. مجلس يُفترض أن يحمي الصحافي، لكنه يجعله أقلية عددية، ومحدود التأثير.

النتيجة المتوقعة ليست غامضة: مجلس قوي في ضبط الصحافيين، ضعيف في الدفاع عنهم. مجلس يُجيد تهدئة التوتر بين الدولة والناشرين، لكنه عاجز عن أن يكون صوتًا مستقلاً يحمي حرية الصحافة وحق المجتمع في معرفة ما يجري.

القضية هنا ليست معركة فئوية بين صحافيين وناشرين، بل سؤال دولة. لأن الصحافة الحرة ليست ترفًا ولا صداعًا يجب تدبيره، بل عقلٌ ثانٍ للدولة. هي التي ترى ما لا يراه من يحكم، وتنبه إلى الانزلاقات قبل أن تتحول إلى أزمات، وتقف أحيانًا في وجه الدولة… لصالح الدولة. حين تُفرَّغ هذه الوظيفة، لا تُضعَف الصحافة فقط، بل تُضعَف مناعة البلد كله.

إذا أُريد للمجلس الوطني للصحافة أن يكون آلية تنظيم ذاتي حقيقية، لا واجهة مؤسساتية أنيقة، فالأمر يحتاج شجاعة سياسية:
إعادة التوازن العددي، إدخال تمثيلية حقيقية للجمهور والمجتمع المدني المستقل، كسر احتكار منظمة واحدة، وفصل منطق المال عن منطق الأخلاقيات. غير ذلك، سنكون أمام مجلس فعّال في الضبط، مطمئن للسلطة، ومقلق لمستقبل الصحافة.

واخيرًا يمكنني ان اهمس في عقلاء هذا البلد دون تنظير:
إذا كانت الصحافة بخير، فالبلد بخير.
وإذا ضُبطت الصحافة أكثر مما ينبغي، فلن تصمت الحقيقة… لكنها ستخرج من الأبواب الخلفية، وبكلفة أعلى على الجميع.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من مقالات وأراء

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق