إفادة
إفادة
الجمعة 31 يوليو - 01:51

البيت الأبيض يستثمر أزمة سبتة في صراعه مع اليسار الأوروبي

دخلت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على خط أزمة الهجرة المتفاقمة في مدينة سبتة، موجهة انتقادات حادة إلى السياسة التي تعتمدها حكومة بيدرو سانشيز، في موقف ينقل تداعيات الأزمة من نطاقها المغربي الإسباني والأوروبي إلى قلب الاستقطاب السياسي بين واشنطن والحكومات اليسارية في أوروبا.
وقالت نائبة المتحدث باسم البيت الأبيض، آنا كيلي، إن ترامب سبق أن حذر الدول الأوروبية من عواقب الاستمرار في تطبيق ما وصفته بـ«السياسات العولمية لليسار المتطرف»، بما في ذلك تسهيل الهجرة الجماعية، معتبرة أن على إسبانيا وغيرها من الدول التي تعتمد هذه المقاربة تغيير مسارها، وإلا فإنها تخاطر بعواقب تهدد استقرارها.
ولم يصدر الموقف في صورة بيان رئاسي رسمي منشور على منصة البيت الأبيض، وإنما ورد في تصريح أدلت به كيلي لوسائل إعلام أمريكية، في أعقاب تداول واسع لمشاهد تظهر تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين إلى سبتة عبر الحدود المحاذية للمغرب.
ويعكس تدخل البيت الأبيض توجها سياسيا أوسع لدى إدارة ترامب، يقوم على توظيف أزمات الهجرة الأوروبية لتأكيد صحة مقاربتها المتشددة في مراقبة الحدود، وربط الهجرة غير النظامية بسياسات الحكومات اليسارية والليبرالية، بدل التعامل معها باعتبارها نتيجة لعوامل اجتماعية واقتصادية وجيوسياسية متعددة.

واشنطن تربط الأزمة بسياسة سانشيز

ركز الخطاب الأمريكي على خيارات حكومة سانشيز في مجال الهجرة، ولا سيما إجراءات تسوية أوضاع مهاجرين غير نظاميين، وتوسيع الاستفادة من بعض الخدمات الاجتماعية، ومعارضة عمليات الإعادة الجماعية التي لا تحترم المساطر القانونية الفردية.
وتعتبر إدارة ترامب أن هذه الإجراءات ترسل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إشارات تشجع على الهجرة، وهو الطرح نفسه الذي تتبناه أحزاب اليمين واليمين المتشدد في إسبانيا، وفي مقدمتها الحزب الشعبي وحزب «فوكس».
غير أن الربط المباشر بين سياسة الحكومة الإسبانية وموجة العبور الأخيرة لا يستند حتى الآن إلى تحقيق رسمي يثبت أن إجراءات التسوية أو الحماية الاجتماعية كانت السبب المباشر في خروج هذا العدد الكبير من المهاجرين نحو سبتة.
وتشير المعطيات الإسبانية والأمريكية المتاحة إلى تداخل عوامل مختلفة، من بينها انتشار تأويل مغلوط لحكم المحكمة العليا الإسبانية المتعلق بمنع الإعادة الفورية لمن يصلون سباحة، والظروف المناخية الملائمة، وتحركات شبكات تهريب البشر، إلى جانب طبيعة التنسيق الحدودي بين المغرب وإسبانيا.

سانشيز يحمّل شبكات التهريب المسؤولية

في مقابل الانتقاد الأمريكي، رفض رئيس الحكومة الإسبانية تحميل سياسة الهجرة الحكومية مسؤولية التدفقات، وأرجع الأزمة أساسا إلى استغلال شبكات تهريب البشر لحكم قضائي صدر حديثا عن المحكمة العليا.
وقال سانشيز إن هذه الشبكات قدمت الحكم للمهاجرين كما لو أنه يمنع إعادتهم بمجرد وصولهم إلى المياه أو السواحل التابعة لسبتة، في حين أن القرار لا يمنح حقا تلقائيا في الإقامة، بل يفرض إخضاع كل حالة لإجراءات قانونية فردية.
ووصف رئيس الحكومة الإسبانية ما وقع بأنه انتهاك للسلامة الترابية لإسبانيا، معلنا تعبئة موارد الدولة لمواجهة الأزمة، وتعزيز مراقبة الحدود، وتسريع إعادة الأشخاص الذين لا تتوافر فيهم شروط البقاء أو الحماية الدولية.
وتفيد المصادر الإسبانية بأن مدريد تعتزم تركيب عوامات بحرية قرب الحاجز الحدودي في تراخال، بهدف إنشاء عنصر مادي واضح يمكن الاستناد إليه قانونيا في تطبيق إجراءات الرفض عند الحدود، بعد أن ميز حكم المحكمة العليا بين دخول المهاجرين عبر سياج مادي والوصول سباحة عن طريق البحر.

الأزمة تتحول إلى مادة للصراع السياسي

لا ينفصل موقف البيت الأبيض عن طبيعة العلاقة المتوترة بين إدارة ترامب وحكومة سانشيز، في ظل الخلافات بشأن الهجرة والإنفاق الدفاعي والسياسات الاجتماعية والعلاقة مع الاتحاد الأوروبي.
ويضع البيت الأبيض الحكومة الإسبانية ضمن نموذج أوروبي أوسع ينتقده ترامب، ويربط بينه وبين ضعف الرقابة الحدودية واتساع الهجرة غير النظامية وصعود التوترات الاجتماعية.
وفي إسبانيا، وجدت هذه الرواية صدى لدى المعارضة المحافظة، التي اتهمت حكومة سانشيز بالتأخر في التعامل مع الأزمة، وطالبت بتعديل قانون الهجرة، وتوسيع نطاق الإعادة عند الحدود، وإعلان الوضع في سبتة قضية مرتبطة بالأمن القومي.

مقاربتان متعارضتان للهجرة

تكشف التصريحات الأمريكية والإسبانية عن اختلاف يتجاوز تقييم أزمة سبتة إلى تصورين متعارضين لتدبير الهجرة.
تتبنى إدارة ترامب مقاربة تقوم على الردع المسبق، وإغلاق الحدود، وتسريع الترحيل، وتقليص المسارات القانونية التي قد تسمح للمهاجر بالبقاء أو الطعن في قرار إعادته.
أما حكومة سانشيز، فعلى الرغم من اتخاذها إجراءات أمنية وإعلانها تسريع عمليات العودة، فإنها تؤكد ضرورة الالتزام بالقضاء الإسباني والقواعد الأوروبية وحقوق القاصرين وطالبي اللجوء.
غير أن حجم الأزمة يدفع مدريد نفسها إلى الاقتراب من بعض الإجراءات التي يدعو إليها اليمين، بما في ذلك تعديل قانون الهجرة، وإعادة تحديد الحدود البحرية، وتوسيع نطاق الرفض عند الحدود.
وبذلك، لا يمثل تدخل البيت الأبيض مجرد تعليق خارجي على أزمة محلية، بل محاولة لإدراج ما يحدث في سبتة ضمن المواجهة الأيديولوجية الأوسع التي تخوضها إدارة ترامب ضد سياسات الهجرة الأوروبية.

المغرب في قلب المعادلة

تظل الأزمة، مع ذلك، مرتبطة بصورة أساسية بمستوى التعاون بين الرباط ومدريد، إذ لا تستطيع إسبانيا ضبط حدود سبتة ومليلية بصورة منفردة، كما لا يمكن تنفيذ عمليات إعادة المواطنين المغاربة من دون تنسيق مع السلطات المغربية.

وأشادت الحكومة الإسبانية في تصريحاتها الرسمية بتعاون المغرب، مؤكدة أن الرباط تعمل على استعادة مواطنيها ومنع محاولات عبور إضافية. إلا أن مصادر سياسية وإعلامية إسبانية طرحت تساؤلات بشأن أسباب الانفجار المفاجئ في عدد الوافدين، ومدى ارتباطه بتراجع مؤقت في المراقبة على الجانب المغربي.

وفي المحصلة، أضاف تدخل البيت الأبيض بعدا سياسيا جديدا إلى الأزمة، بعدما أصبحت سبتة ساحة يتقاطع فيها أمن الحدود الإسبانية، والتعاون مع المغرب، وسياسة الهجرة الأوروبية، والصراع الأيديولوجي بين إدارة ترامب والحكومات اليسارية في القارة.

فبينما ترى واشنطن في المشاهد دليلا على فشل سياسة «الحدود المفتوحة»، تؤكد مدريد أن الأزمة نتجت عن استغلال شبكات التهريب لثغرات وتأويلات قانونية، في حين يبقى آلاف المهاجرين عالقين بين مساطر الإعادة، ومراكز الاستقبال المكتظة، وحدود تتحول بصورة متزايدة إلى موضوع مواجهة سياسية دولية.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من سياسات دولية

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق