البرنامج الانتخابي للأحرار يسائل حصيلة خمس سنوات من الحكم
قدم حزب التجمع الوطني للأحرار، بمدينة وجدة، ملامح جديدة من برنامجه الانتخابي المرتقب، متمحورة حول تحسين جودة الخدمات العمومية، وتعزيز العدالة المجالية، وإصلاح منظومة التربية والتكوين، في خطاب يرفع مجدداً شعارات الدولة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.
غير أن هذه الالتزامات، التي قدمها مسؤولو الحزب في أفق انتخابات 23 شتنبر 2026، تطرح سؤالاً سياسياً لا يمكن تجاوزه: لماذا يعود الحزب اليوم إلى وعد المغاربة بجودة الخدمات العمومية والتعليم والعدالة المجالية، بعدما قاد الحكومة لخمس سنوات كاملة وكان في موقع يسمح له بتحويل هذه الوعود إلى سياسات فعلية؟
فالحزب لا يتحدث هذه المرة من موقع المعارضة أو من موقع قوة سياسية لم تمارس التدبير الحكومي، بل من موقع الحزب القائد للأغلبية الحكومية، والمسؤول سياسياً عن حصيلة قطاعات اجتماعية واقتصادية ظلت في صلب انتظارات المواطنين، وعلى رأسها التعليم، الصحة، الخدمات العمومية، التشغيل، وتقليص الفوارق المجالية.
وخلال اللقاء التواصلي المنظم بوجدة، ركزت اعتماد الزاهيدي على أن ضمان جودة الخدمات العمومية في مختلف المجالات الترابية يمثل أحد الالتزامات الأساسية في برنامج الأحرار، معتبرة أن ترسيخ الدولة الاجتماعية لا يقتصر على الدعم المباشر، بل يشمل توفير خدمات عمومية فعالة ومتاحة بالمستوى نفسه من الجودة في المدن والقرى والمناطق الجبلية والنائية.
واستحضرت الزاهيدي التوجيهات الملكية الداعية إلى تفادي وجود “مغرب بسرعتين”، مؤكدة أن العدالة المجالية ينبغي أن تتحول من شعار إلى ممارسة عملية تنعكس على الحياة اليومية للمواطنين.
غير أن هذا الطرح يصطدم بواقع أن خطاب العدالة المجالية رافق الحكومة الحالية منذ بدايتها، دون أن يشعر جزء واسع من المواطنين، خاصة في المناطق النائية والهوامش، بتحول ملموس في مستوى الخدمات الأساسية. ولذلك يبدو تقديم هذا الالتزام اليوم أقرب إلى إعادة تدوير سياسي لشعار ظل معلقاً أكثر مما هو إعلان عن قطيعة حقيقية مع اختلالات قائمة.
وفي محور التعليم، قدم مسؤولو الحزب ما أطلقوا عليه “النجاح الدراسي للجميع”، عبر مواصلة تعميم نموذج مدارس الريادة، والحد من الهدر المدرسي، وتوسيع النقل والمطاعم المدرسية، وتعزيز الدعم الدراسي الفردي، وربط المدرسة بالأنشطة الرياضية والثقافية والفنية.
وتحدث المتدخلون عن تعميم مدارس الريادة في التعليم الابتدائي في أفق 2027، قبل توسيع التجربة إلى مستويات أخرى، معتبرين أن إصلاح التعليم لا يقتصر على المناهج، بل يشمل أيضاً تحسين ظروف التعلم داخل المؤسسات.
لكن هذا الخطاب يطرح من جديد سؤال الحصيلة. فالهدر المدرسي، ضعف التعلمات الأساسية، الاكتظاظ، تفاوت جودة المدرسة بين المركز والهامش، وغياب تكافؤ الفرص في الولوج إلى تعليم جيد، كلها ملفات رافقت الولاية الحكومية الحالية. وإذا كان الحزب يعتبرها اليوم أولويات انتخابية، فإن السؤال الطبيعي هو: لماذا لم تصبح أولويات تنفيذية بالسرعة والعمق المطلوبين خلال سنوات الحكم؟
كما اقترح الحزب توسيع خدمات النقل المدرسي بالمناطق القروية وشبه القروية بشراكة مع الجماعات الترابية، وتعميم المطاعم المدرسية، وإطلاق برامج دعم فردي للتلاميذ المتعثرين، وهي إجراءات تبدو في ظاهرها اجتماعية ومطلوبة، لكنها تكشف في العمق استمرار أعطاب مزمنة كان يفترض أن تضعها الحكومة في صلب تدخلاتها منذ بداية الولاية.
وفي ملف الشباب غير المتمدرسين وغير المشتغلين وغير المستفيدين من التكوين، المعروفين بفئة “NEET”، دعا مسؤولو الأحرار إلى توجيههم نحو مسارات بديلة، من بينها التكوين المهني ومدارس الفرصة الثانية. غير أن هذه الفئة تمثل اليوم أحد أكبر مؤشرات فشل السياسات العمومية في التقاط الشباب قبل سقوطهم خارج المدرسة وسوق الشغل معاً.
أما في التعليم العالي، فقد اقترح الحزب رفع عدد الجامعات بالمملكة من 12 إلى 27 جامعة، بهدف تقريب المؤسسات الجامعية من الطلبة وتعزيز العدالة المجالية في الولوج إلى التعليم العالي، إلى جانب إحداث مسالك جديدة تستجيب لتحولات الاقتصاد وسوق الشغل.
ورغم أهمية هذا المقترح من حيث المبدأ، فإنه يفتح نقاشاً حول ما إذا كان المغرب يحتاج فقط إلى رفع عدد الجامعات، أم إلى إصلاح أعمق لجودة التكوين، والبحث العلمي، والحكامة الجامعية، وربط المسالك فعلياً بسوق الشغل. فالعدد وحده لا يكفي إذا ظلت الجامعات تنتج أفواجاً جديدة من الخريجين دون إدماج مهني واضح.
ويظهر من لقاء وجدة أن حزب التجمع الوطني للأحرار يسعى إلى بناء حملته المقبلة حول نفس الملفات التي شكلت نقاط الضغط الأساسية خلال الولاية الحكومية: الخدمات العمومية، التعليم، الفوارق المجالية، الشباب، والتكوين.
لكن قوة أي برنامج انتخابي لا تقاس فقط بجاذبية عباراته، بل بمدى انسجامه مع الحصيلة السابقة للحزب الذي يقدمه. وهنا بالضبط تكمن صعوبة موقف الأحرار: فهو لا يطلب ثقة الناخبين على أساس وعود جديدة فقط، بل عليه أن يشرح لماذا ظلت هذه الوعود نفسها تنتظر موعداً انتخابياً جديداً حتى تعود إلى الواجهة.
فحين يتحدث حزب قاد الحكومة لخمس سنوات عن تحسين جودة الخدمات العمومية، ومحاربة الهدر المدرسي، وتوسيع النقل والمطاعم المدرسية، وتقريب الجامعة من المواطنين، فإن الأمر لا يبدو مجرد تقديم برنامج، بل اعترافاً ضمنياً بأن جزءاً من هذه الملفات لم يعرف التحول المطلوب خلال فترة التدبير الحكومي.
وبين خطاب “الدولة الاجتماعية” وواقع الخدمات، وبين وعود “النجاح الدراسي للجميع” واستمرار تفاوتات المدرسة، يجد حزب الأحرار نفسه أمام اختبار سياسي صعب: إقناع المواطنين بأن ما لم يتحقق خلال خمس سنوات يمكن أن يتحقق ببرنامج انتخابي جديد.
التعاليق