الاستقرار في المغرب هو استقرار الأسعار
الحقيقة هي أن أكبر ضامن للإستقرار في المغرب هو متانة السياسات النقدية خلال العشرين سنة الأخيرة، لأن التضخم له أصل واحد هو “خلق مزيد من النقود” حسب تعريف ميلتون فريدمان أحد أهم اقتصاديي القرن العشرين. من خلال تحقيقه لهذا الهدف، كان والي بنك المغرب ناجحا إلى حد بعيد في أهم مهامه على رأس بنك المغرب.
للأسف ليس كل المسؤوليين في الدولة يفهمون هذا، ولذلك نرى أن خرجاته في السنوات الأخيرة أصبحت أكثر حدة، لأنه يرى أن الاستقرار أصبح على المحك، بفعل سياسات وقرارات لا علاقة له بها، منها التلاعب بالقواعد المؤسساتية وإلقاء قوانين المنافسة والحرية الاقتصادية في سلة المهملات وإهمال السياسات والاصلاحات الاقتصادية وتعثر الاصلاحات السياسية وتخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد وترسيخ الشفافية.
هناك حقيقة يعرفها الاقتصاديون ذوي المنطق السليم، وهي أن الغلاء في المغرب يفتح الباب أمام الانتفاضات التي تسبق السياسيين والنقابيين والدولة نفسها، وهذا ليس جديدا. ففي ثمانينات القرن الماضي سمى أحد الأمنيين وهو في منصب وزير ضحايا الاحتجاجات ب”شهداء الكوميرا” استهزاء، لكنه كان دقيقا في الوصف.
لما كان الجواهري يتحدث عن خطورة العودة لسياق “التقويم الهيكلي”، فهو كان يعرف ماذا يقول. شطار السياسة والمسؤوليين وبسبب قصر نظرهم ربما كانوا يعتقدون أن الأمر مجرد عجز ميزانية الدولة وبعض المديونية الاضافية. لكن الحقيقة هي أن الثمانينات كانت سنة صاخبة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا في البلاد، وكانت الاحتجاجات الاجتماعية والسخط الشعبي هو الوضع العام، وطبعا ذلك لن يمر من دون محاكمات سياسية وقمع رهيب ووضعية كارثية على مستوى حقوق الانسان. لما تنفلت الأمور، تصبح القواعد الطارئة هي الوسيلة الوحيدة لممارسة السلطة.
خلال العقد الأخير، عرف المغرب 3 موجات احتجاجية ضخمة (20 فبراير، وحراك الريف وجرادة وحملة المقاطعة)، وكلها مرتبطة بالغلاء (التضخم). وإن كان لكل سياقها الخاص، إلا أنها كلها مرتبطة بالغلاء والتضخم. والخطير فيما يخص التضخم في المغرب، هي أن مجرد ما يقفز معدل الغلاء على 2 في المائة، ترتفع حرارة الشارع، مما يعني تماما أن مكتسبات المواطنين على مستوى القدرة الشرائية منعدمة، فالأغلبية الغالبة لا قدرة لها على الادخار، ولا تحقق مكتسبات مهمة على مستوى تنويع الدخل، وما تزال أغلب المداخيل (الأجور خصوصا والأرباح أيضا) تصرف على أساسيات الحياة من السكن والغداء والملبس لمن استطاع إلى ذلك سبيلا.
لا أدري من أين يأتي البعض بتلك الثقة في النفس، وهو يرى أن الوضعية الاقتصادية الدولية (حتى قبل أزمة الكوفيد) لا تبشر بالخير، وهناك توقعات اقتصادية جدية أن النمو سيبقى محدودا في الاقتصادات الكبرى، ونمو الاقتصاد الصيني (باعتباره الأكثر نموا) نفسه يتراجع عما كان عليه في السابق، مما يعني عمليا أن الركود هو العملة الاقتصادية للعقد الحالي، ثم جاء الكوفيد والاغلاقات الاقتصادية المتكررة ليزيد الطين بلة.
وكأن هذا كله غير كاف، فاجتهد البعض وبلغ العبث منتهاه لما تم تفجير مجلس المنافسة، ورمي أهم القوانين الاقتصادية؛ قانون الأسعار والمنافسة في سلة “الأزبال”. إن ضرب القوانين بعرض الحائط، يعني عمليا بالنسبة للمستثمرين والنخب أن الأمل والثقة مفقودان. ولا يمكن أن يتجاهل متتبع عاقل للوضعية الاقتصادية، أن لوبيات المصالح والاحتكارات والتركزات الاقتصادية هي السائدة في كثير من القطاعات (وليس المحروقات فقط).
وخلال الأسبوع الماضي، صدرت النسخة الجديدة من تقرير إيريتاج فوندايشن حول الحرية الاقتصادية، وحدث تراجع خطير لكنه متوقع جدا، تراجع على مستويات فعالية النظام القضائي والثقل الضريبي وحرية الأعمال وحرية التجارة وحرية الاستثمار، هذا التقرير بالضبط هو مرآة كل اقتصاد بالنسبة لكثير من الشركات الدولية وكثير من المستثمرين وبالنسبة للصحفيين والباحثين أيضا على مستوى مراكز التفكير العالمية.
ومن يرزع الريح يحصد العاصفة، كما يقول المثل.
التعاليق