الأحرار يقترح اقتطاعات إضافية من جيوب الفئات الهشة .. وعد انتخابي يحمل مخاطر
في الوقت الذي ما تزال فيه أنظمة التقاعد والحماية الاجتماعية بالمغرب تواجه اختلالات مالية وهيكلية عميقة، اختار حزب التجمع الوطني للأحرار أن يقترح إحداث آلية ادخار جديدة لفائدة العاملين في القطاع غير المهيكل والأسر الهشة، تحت اسم «درع الادخار»، دون أن يقدم أجوبة دقيقة عن مصدر تمويلها، أو الجهة التي ستدبر أموالها، أو الضمانات التي ستحمي مدخرات المستفيدين.
ويقدم الحزب المبادرة، المدرجة ضمن برنامجه للفترة 2026-2031، باعتبارها وسيلة لمساعدة أصحاب الدخل غير المنتظم على تكوين احتياطي مالي للطوارئ ورأسمال للمشاريع والنفقات المستقبلية، من خلال فتح حساب ادخاري مبسط تواكب فيه الدولة بعض مساهمات المنخرطين.
لكن خلف هذا العرض الاجتماعي الجذاب، تبرز أسئلة جوهرية: كيف تطلب من أسرة هشة أو عامل موسمي أن يقتطع من دخله غير الكافي أصلاً؟ ولماذا يجري التفكير في إنشاء وعاء مالي جديد قبل إصلاح الصناديق القائمة وضمان استدامتها؟ ومن سيتحمل كلفة مساهمة الدولة؟ وما القيمة الحقيقية للوعود إذا ظلت تفاصيل التمويل والتدبير والحماية القانونية مجهولة؟
الادخار لا يصنع دخلاً غير موجود
تقوم فلسفة «درع الادخار» على تشجيع الفئات الهشة والعاملين في الاقتصاد غير المهيكل على إيداع جزء من مداخيلهم، مقابل مساهمة تكميلية من الدولة في الشق المخصص للادخار المستقبلي.
غير أن المشكلة الأساسية لهذه الفئات ليست غياب حساب بنكي أو ضعف ثقافة الادخار، بل ضعف الدخل وعدم انتظامه.
فالعامل في القطاع غير المهيكل لا يمتنع بالضرورة عن الادخار بسبب غياب تطبيق هاتفي أو شباك قريب، وإنما لأن دخله اليومي يستهلك في الغذاء والسكن والنقل والعلاج وأداء الديون. والأسرة التي تعجز عن تغطية حاجاتها الأساسية لن تتحول إلى أسرة مدخرة بمجرد إطلاق منتج مالي يحمل اسماً تسويقياً جذاباً.
لذلك، فإن تحميل الفئات الهشة مسؤولية بناء احتياطاتها المالية، دون معالجة هشاشة الشغل وضعف الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة، ينقل جزءاً من عبء الحماية الاجتماعية من الدولة والسياسات العمومية إلى جيب المواطن نفسه.
لا يتعلق الأمر، وفق المعطيات المعلنة، باقتطاع إجباري مباشر، بل بإيداعات يفترض أن تكون اختيارية. لكن الضغط على أصحاب الدخول المحدودة للانخراط في نظام ادخاري قد يتحول عملياً إلى عبء إضافي، خصوصاً إذا ربطت به مستقبلاً امتيازات اجتماعية أو شروط للاستفادة من دعم الدولة.
أموال مجمدة لمدة سنتين مقابل وعد غير محدد
يقسم المشروع الحساب المقترح إلى شقين.
الأول مخصص للطوارئ، ويسمح بسحب الأموال في أي وقت، لكنه لا يستفيد من مساهمة الدولة.
أما الثاني، فيفرض تجميد المدخرات مدة لا تقل عن 24 شهراً، مقابل الحصول على مساهمة عمومية لم يحدد الحزب قيمتها أو نسبتها أو سقفها.
وهنا تطرح أولى المفارقات: المواطن الفقير يستطيع الوصول إلى ماله عند الحاجة، لكن دون دعم؛ أما لكي يستفيد من مساهمة الدولة، فعليه أن يجمد جزءاً من دخله سنتين، رغم أن طبيعة وضعه الاجتماعي تجعله الأكثر تعرضاً للمرض والبطالة والمصاريف المفاجئة.
كما أن البرنامج، وفق المعطيات المتاحة، لم يحدد ماذا سيحدث إذا اضطر المنخرط إلى سحب ماله قبل انتهاء المدة. هل يفقد مساهمة الدولة بالكامل؟ هل تفرض عليه رسوم أو غرامات؟ هل يحصل على العائدات المتراكمة؟ وهل تظل أمواله مضمونة في حال تعثر المؤسسة المدبرة؟
لا يمكن تقييم جدوى الآلية دون معرفة هذه التفاصيل، لأن الفرق كبير بين ادخار مضمون ومدعوم بصورة واضحة، وبين تجميد أموال الفئات الهشة مقابل وعود عامة قابلة للتعديل بشروط تنظيمية لاحقة.
صناديق التقاعد لم تُصلح بعد
يأتي اقتراح «درع الادخار» في وقت ما يزال فيه إصلاح أنظمة التقاعد مؤجلاً، رغم التحذيرات المتكررة من اختلال توازناتها.
وتظهر أحدث المعطيات المنشورة من الهيئة المغربية لسوق الرساميل والتأمينات والاحتياط الاجتماعي أن نظام المعاشات المدنية للصندوق المغربي للتقاعد سجل عجزاً بلغ خمسة مليارات درهم سنة 2023، بينما تراجعت احتياطاته بنسبة 1.9 في المائة إلى 69.7 مليار درهم. كما سجل النظام العام للنظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد عجزاً، وإن كان أقل حدة، بلغ 662.5 مليون درهم.
وحذرت تقارير الاستقرار المالي من أن الإجراءات الجزئية قد تؤجل مواعيد نفاد احتياطات بعض الأنظمة، لكنها لا تضمن استدامتها على المدى الطويل. كما أن تعديلات نظام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي قد تعجل، بحسب التقرير، بظهور العجز الإجمالي ونفاد الاحتياطيات ببضع سنوات.
ورغم خطورة الوضع، ظلت الحكومة إلى منتصف 2026 في مرحلة التشخيص والمشاورات التقنية، مع حديث عن احتمال ترحيل الإصلاح الشامل إلى الحكومة المقبلة بسبب صعوبة الملف وعدم التوصل إلى توافق مع الشركاء الاجتماعيين.
وتتجاوز الأزمة مجرد عجز ظرفي، لأنها مرتبطة بتدهور النسبة بين عدد المساهمين والمتقاعدين، وبتعدد الأنظمة واختلاف قواعد الاشتراك والاحتساب، إضافة إلى محدودية التغطية بالنسبة إلى فئات واسعة من العاملين.
أمام هذا الواقع، يطرح المشروع التساؤل: كيف يمكن لحزب قاد الحكومة خمس سنوات أن يقترح حساباً ادخارياً جديداً، بينما لم ينجح بعد في تقديم إصلاح نهائي ومتكامل للأنظمة الموجودة؟
إنشاء آلية جديدة أسهل في الوعود الانتخابية
تعاني السياسات الاجتماعية بالمغرب من ميل متكرر إلى إنشاء صناديق وحسابات وبرامج جديدة كلما ظهر إشكال، بدل معالجة جذور الاختلالات داخل المؤسسات القائمة.
فإنشاء آلية جديدة يسمح بتقديم وعد انتخابي سهل التسويق، يحمل اسماً جذاباً ويمكن عرضه باعتباره ابتكاراً اجتماعياً. أما إصلاح التقاعد أو ضبط حكامة أنظمة الحماية الاجتماعية، فيتطلب قرارات صعبة تتعلق بالتمويل والسن والاشتراكات والمعاشات ومسؤولية الدولة والمشغلين.
لهذا، يبدو «درع الادخار» أقرب إلى الهروب نحو منتج مالي جديد بدل مواجهة الأسئلة الأصعب.
إن كثرة الصناديق والحسابات لا تعني بالضرورة قوة الحماية الاجتماعية. وقد تتحول، في غياب حكامة موحدة وشفافية مالية، إلى تشتيت للموارد وتضخم في نفقات التدبير وتعقيد إضافي أمام المواطن.
من سيمول مساهمة الدولة؟
يقول الحزب إن الدولة ستضيف مساهمة مالية إلى مدخرات المستفيدين، لكنه لم يكشف، في المعطيات المنشورة، عن حجم هذه المساهمة أو كلفتها الإجمالية أو مصدر تمويلها.
وهذه ليست تفاصيل ثانوية، بل هي جوهر المشروع.
فمساهمة الدولة لن تأتي من فراغ؛ بل ستمول من الضرائب أو الميزانية العامة أو الاقتراض أو إعادة توزيع اعتمادات برامج اجتماعية أخرى. وبالتالي، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط ماذا ستضيف الدولة إلى حساب المواطن، وإنما أيضاً من أين ستأتي بهذه الأموال، وما البرامج التي قد تتخلى عنها لتمويلها.
إذا كانت المساهمة محدودة جداً، فلن تشكل حافزاً حقيقياً للادخار. وإذا كانت مرتفعة، فقد تنتج كلفة مالية ثقيلة، خصوصاً مع استهداف فئات واسعة من العاملين في القطاع غير المهيكل.
كما أن غياب سقف واضح للمبالغ المدعومة يفتح الباب أمام إشكالات الاستهداف. فقد يستفيد أصحاب قدرة ادخارية أكبر من دعم عمومي أعلى، بينما يعجز الأشد فقراً عن إيداع أي مبلغ والحصول بالتالي على مساهمة الدولة.
وبهذه الصيغة، قد يتحول البرنامج من أداة لدعم الأكثر هشاشة إلى آلية تكافئ من يستطيع الادخار أصلاً.
معضلة تحديد العاملين في القطاع غير المهيكل
يراهن المشروع على العاملين في الاقتصاد غير المهيكل، لكن هذه الفئة لا تشكل كتلة موحدة يسهل تعريفها.
فهي تضم البائع المتجول، والعامل الموسمي، والحرفي، والعامل المنزلي، وصاحب النشاط الصغير، وأشخاصاً يمارسون أنشطة غير مصرح بها، إضافة إلى فئات قد تتوفر على مداخيل مهمة لكنها تعمل خارج النظام الجبائي والاجتماعي.
هل يكفي التصريح الشخصي؟ وهل سيطلب من المنخرط التسجيل ضريبياً أو التصريح بنشاطه؟ وهل سيؤدي الانضمام إلى الحساب إلى مراقبة مصادر الأموال أو فرض التزامات جبائية واجتماعية لاحقة؟
كما ينبغي تحديد ما إذا كانت المبادرة تهدف إلى دعم الفقراء، أم إلى إدماج الاقتصاد غير المهيكل في القطاع المالي، أم إلى توسيع قاعدة المساهمين في أنظمة الحماية الاجتماعية. فهذه أهداف مختلفة، ولكل واحد منها شروط وأدوات خاصة.
الخلط بينها قد ينتج برنامجاً واسع العناوين، لكنه محدود الأثر.
هل ستستفيد مؤسسات كبرى من أموال الفقراء ؟
لم يكشف الحزب أيضاً عن المؤسسات التي ستتولى تدبير الحسابات: هل ستكون البنوك التجارية؟ أم مؤسسات الأداء؟ أم صندوقاً عمومياً؟ أم الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أو صندوق الإيداع والتدبير؟
وهذا السؤال مهم لأن تجميع مدخرات آلاف أو ملايين المواطنين سيخلق كتلة مالية كبيرة تستفيد المؤسسات المدبرة من توظيفها واستثمارها.
ينبغي بالتالي معرفة رسوم التدبير، والعائد الممنوح للمدخر، وكيفية استثمار الأموال، ومستوى المخاطر، والجهة الضامنة لرأس المال.
فمن غير المقبول أن تتحمل الأسر الهشة مخاطر الاستثمار، بينما تحصل المؤسسات المالية على رسوم مضمونة. كما لا ينبغي أن تتحول مساهمة الدولة إلى دعم غير مباشر للبنوك أو الوسطاء الماليين دون مردودية واضحة للمواطن.
وقبل إطلاق أي حساب جديد، يجب تحديد قواعد صارمة للشفافية، ونشر تقارير دورية عن الأموال المجمعة ومجالات استثمارها والعائدات المحققة وتكاليف التدبير.
التعاليق