الأحرار ووعد حماية القدرة الشرائية .. برنامج انتخابي متأخر بعد خمس سنوات من قيادة الحكومة
اختار حزب التجمع الوطني للأحرار مدينة فاس لإطلاق أولى ملامح برنامجه استعداداً لانتخابات 23 شتنبر 2026، تحت عنوان “حماية مستدامة للقدرة الشرائية”، في محاولة لتقديم نفسه من جديد باعتباره حزباً قادراً على حماية الأسر المغربية من الغلاء وتقلبات الأسعار.
غير أن الإعلان عن هذه الالتزامات، بعد خمس سنوات من قيادة الحزب للحكومة وتدبيره لقطاعات مالية واقتصادية واجتماعية مركزية، يطرح سؤالاً سياسياً مباشراً: لماذا انتظر حزب الأحرار اقتراب الانتخابات ليقترح آليات كان يفترض أن يطلقها وهو يمارس السلطة التنفيذية؟
فالحديث عن “درع اجتماعي” لمواجهة غلاء المعيشة، وربط الدعم الاجتماعي المباشر بمعدلات التضخم، لا يبدو مجرد وعد تقني جديد، بل اعترافاً ضمنياً بأن منظومة الدعم الحالية لم تكن كافية لحماية القدرة الشرائية، وأن الأسر المغربية بقيت طوال السنوات الماضية في مواجهة موجات الأسعار دون آلية تلقائية وفعالة للتعويض.
وقدمت نادية فتاح العلوي، وزيرة الاقتصاد والمالية وعضو المكتب السياسي للحزب، أول التزامات البرنامج الجديد، مؤكدة أن “الحماية المستدامة للقدرة الشرائية” ستكون في صلب أولويات التجمع الوطني للأحرار خلال المرحلة المقبلة.
ويتضمن هذا الالتزام أربعة إجراءات رئيسية، أولها “درع اجتماعي” يهدف إلى مأسسة مؤشر الدعم الاجتماعي المباشر وربطه بالتضخم، بحيث تتم الزيادة في الدعم تلقائياً إذا تجاوزت الأسعار عتبة محددة مسبقاً. ويراهن الحزب، وفق تقديمه، على حماية نحو 4 ملايين أسرة مستفيدة من الدعم المباشر، أي ما يقارب 12 مليون مواطن.
لكن هذا الوعد يطرح إشكالاً سياسياً واضحاً. فالحكومة الحالية، التي يقودها الحزب نفسه، هي التي أشرفت على تنزيل الدعم الاجتماعي المباشر، وكان بإمكانها منذ البداية ربطه بالتضخم لحماية الأسر من تآكل قيمته الفعلية. أما تحويل هذا الإصلاح إلى وعد انتخابي جديد، فيجعل منه أقرب إلى مادة حملة انتخابية منه إلى سياسة عمومية عاجلة.
الإجراء الثاني، الذي قدمته فتاح، يتعلق بإطلاق “درع الادخار” لفائدة العاملين في القطاع غير المهيكل، عبر تمكينهم من فتح حساب ادخار مبسط مدعوم من طرف الدولة، يسمح بتكوين رصيد احتياطي أو معاش مستقبلي. ويقترح الحزب أن تساهم الدولة بدعم مالي مباشر للمدخرين، من قبيل إضافة 10 دراهم لكل 50 درهماً يدخرها المواطن شهرياً.
غير أن هذا الإجراء بدوره يثير سؤال التأخر. فالقطاع غير المهيكل ظل، طيلة الولاية الحكومية، واحداً من أكبر الملفات الاجتماعية والاقتصادية المفتوحة، دون أن تنجح الحكومة في إخراج جزء واسع من العاملين فيه من الهشاشة أو إدماجهم فعلياً في منظومة حماية اجتماعية مستدامة. لذلك يبدو تقديم “درع الادخار” اليوم وكأنه محاولة لإعادة تسويق ملف لم تحسمه الحكومة خلال ولايتها.
أما الإجراء الثالث، فقدمه بدر طاهيري، المنسق الإقليمي للحزب بمكناس، ويتعلق بـ“درع تحسين الأجور ومعاشات التقاعد”، من خلال مراجعة ورفع الحد الأدنى للأجر في قطاعات الصناعة والتجارة والمهن الحرة، وملاءمة الحد الأدنى للأجر الفلاحي مع باقي القطاعات، إضافة إلى العمل على رفع معاشات التقاعد وتوسيع القطاع المهيكل.
وهنا أيضاً، يجد حزب الأحرار نفسه أمام مفارقة سياسية. فالحزب الذي يقود الحكومة، ويملك موقعاً مركزياً في تدبير السياسات الاقتصادية والاجتماعية، يعِد اليوم بما كان مطلوباً منه إنجازه خلال الولاية الجارية، خاصة في ظل تصاعد شكاوى الطبقات المتوسطة والأجراء من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع كلفة المعيشة.
أما الإجراء الرابع فيتعلق بـ“درع التعليم” لفائدة الأسر، عبر إحداث خصم ضريبي قد يصل إلى 5000 درهم سنوياً عن كل طفل لتغطية تكاليف التمدرس، باعتباره إجراءً موجهاً للطبقة المتوسطة ومكملاً لإصلاح مؤسسات الريادة.
ورغم أهمية الفكرة بالنسبة للأسر التي تتحمل أعباء مالية متزايدة في التعليم، فإن إدراجها ضمن البرنامج الانتخابي يطرح بدوره سؤالاً حول حصيلة الحكومة في المدرسة العمومية، وما إذا كان دعم مصاريف التمدرس عبر امتيازات ضريبية سيشكل حلاً هيكلياً، أم مجرد إجراء موجه لتخفيف الضغط على جزء من الأسر دون معالجة أصل الأزمة.
ويعيد إطلاق هذه الوعود إلى الأذهان وعوداً انتخابية سابقة رفعها حزب التجمع الوطني للأحرار قبل وصوله إلى رئاسة الحكومة، وفي مقدمتها الحديث عن خلق فرص شغل واسعة وتحسين الدخل وتقوية الطبقة المتوسطة. غير أن جزءاً مهماً من هذه الوعود ظل، في نظر منتقديه، دون تحقق ملموس بالوتيرة والحجم اللذين تم تقديمهما للرأي العام خلال الحملة السابقة.
لذلك، فإن البرنامج الجديد لا يمكن فصله عن سؤال الحصيلة. فالحزب لا يقدم نفسه هذه المرة من موقع المعارضة أو من موقع الطامح إلى الحكم، بل من موقع الحزب الذي قاد الحكومة خلال خمس سنوات، وأدار قطاعات استراتيجية، وكان يملك هامشاً واسعاً لتحويل مثل هذه الالتزامات إلى قرارات فعلية لا إلى وعود مؤجلة.
ومن هذه الزاوية، تبدو محطة فاس أقل شبهاً بإطلاق برنامج جديد، وأكثر شبهاً بمحاولة إعادة بناء خطاب انتخابي حول نفس الملفات التي أرهقت الحكومة خلال ولايتها: الغلاء، هشاشة الدخل، القطاع غير المهيكل، الأجور، التقاعد، وتكاليف التعليم.
فإذا كان الحزب مقتنعاً بأن حماية القدرة الشرائية تحتاج إلى دروع اجتماعية وادخارية وأجرية وتعليمية، فإن السؤال الذي سيلاحقه في الحملة المقبلة سيكون بسيطاً ومباشراً: لماذا لم تُفعّل هذه الدروع حين كان الحزب يقود الحكومة، لا حين أصبح يستعد لانتخابات جديدة؟
وبين لغة الالتزامات الجديدة وثقل الحصيلة الحكومية، يدخل التجمع الوطني للأحرار مرحلة انتخابية دقيقة، سيكون فيها مطالباً ليس فقط بشرح ما ينوي فعله مستقبلاً، بل بتبرير ما لم يفعله حين كان يمتلك السلطة والمسؤولية والوقت الكافي لتنفيذه.
التعاليق