السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣

الآخر المغربي بين المدرب كلوب وصحيفة “دي فيلت” والإعلام المشرقي

الثلاثاء 13 ديسمبر 13:12

خالد البكاري

صورة واحدة بتأويلين مختلفين، الأولى تتضمن عنوانا لواحدة من أبرز الصحف الألمانية “دي فيلت”، تعتبر ان رفع السبابة هو تعبير عن مناصرة داعش، والثانية تعليق لمدرب ليفربول “يورغن كلوب”، الذي هو كذلك الماني، ولم ير في الصورة سوى شكرا لله ” ما وقع هو بفضل الله”، كما يمكن أن يقوم بذلك اي لاعب مسيحي ( ميسي مثلا يرفع سبابتين وليس واحدة شكرا للرب).

لم ازر ألمانيا لأعرف مدى تغلغل الخطاب اليميني المتطرف في المجتمع، ولكن من المؤكد أن تأثير وسائل الإعلام التي تعرف متابعة من طرف الجمهور يظل مهما في “تشييد” الآخر.

إن الآخر المغربي في الصورة ( يمثل في متخيل واضع العنوان تنميطا لصورة الشمال إفريقي والشرق الأوسطي عموما)، ليس هو اللاعبين الثلاثة على حقيقتهم الواقعية، بل هم كما “يصنعهم” مثل هذا الإعلام، وما يشبهه من أدوات التأثير في الجمهور ( إعلام/ سينما/ مدرسة/ إشهار،،).

الآخر المغربي عند يورغن كلوب هو شبيه باللاعبين المسلمين الذين دربهم، ولم ير تعارضا بين دينهم واحترامهم لفرقهم وجمهورها وباقي مكونات الفريق، ولذلك فهو ينطلق من الواقعي وليس من المتخيل. وبالتالي هو لا يصنع “الآخر”، بل يعترف به، ويحاوره من موقع الاختلاف، وليس من اي نزعة للتفوق العرقي أو الثقافي المتمركز حول الذات.

حتى نحن لم نسلم من “تشييد” الآخر، سواء “الغربي” أو “المشرقي”.

ف”الغربي” عند اغلبنا اناني (وإن كان ما ينفق في اوروبا على العمل الاجتماعي والخيري والتطوعي من طرف الدولة والجمعيات والمواطنين هو اضعاف اضعاف ما ينفق عندنا)، ومادي، والرجل ليست لديه نخوة، والمرأة متسيبة، و”المشرقي” مهووس جنسيا، و”حولي” و”مكلخ”.

كما نشيد صورة عن “الذات” كذلك، وهي صورة متغيرة حسب الظروف والأوضاع الاجتماعية والنفسية، فمرة المغاربة “عندوم النفس” و”كرماء” و”محافظين على الأخلاق” وماشي بحال الكوار لي كيلوحو والديهم ويخليو النسا ديالوم يتعراو قدام البراني”، ومرة المغربي “حكار” و”مذلول” و”بنات المغرب مشوهينا”. إلى غيرها من الكليشيهات.

طبعا، هذه الأيام بمناسبة المونديال، فالصورة التي نقدمها عن الذات إيجابية.

“المشارقة” بدورهم شيدوا صورة عن المغاربة/ المغاربيين عموما، وهي الصورة التي تسكن مخيلتهم، حتى ولو اخفوها هذه الأيام في حماة ما يسمونه “الانتصار العربي”.

المغاربة في متخيلهم فقراء، ومتفسخون اخلاقيا، وأهل مكر يجب الاحتياط من كيدهم، وأهل سحر ودجل وخصوصا نساؤهم.

ما لا يقال في الإعلام، يتم تصريفه في قنوات الأفلام والنكتة وحتى الأمثال الشعبية.

عنصر القوة في إبراز الانتماء الأمازيغي، هو تصحيح منطلقات تلك “الخصومة” التاريخية بين “المشرق” و”المغرب”.

كانت الخصومات تدور حول المركزية المشرقية، فأهل الأندلس والمغرب ( ما كان يسمى بالغرب الإسلامي) كانوا يفتخرون بأن شعرهم العربي أرق، وبأنهم أكثر حفاظا على العربية وعلومها، وأنهم المتفوقون في علم الكلام والحديث والحكمة وغيرها، وأهل المشرق كانوا يردون بأنها بضاعتنا ردت إلينا، وبأنهم الأصل والمغرب والأندلس صورة عن الأصل، أو فرع لشجرة المشرق.

حتى علم الأنساب في المغرب والأندلس قام لإثبات النسب الشريف القرشي العربي لسلاطين وأعيان وصلحاء المنطقة.

عبد الله كنون بعد قرون، اكمل النهج نفسه في مصنفه ” في النبوغ المغربي”، الذي حين تكمل قراءته، تجده يدور حول الفكرة نفسها: لقد تفوق المغاربة في ضروب من الفن والأدب واللغة والعلوم على المشارقة، لكن الإضافة التي قدمها المغاربة هي إثراء لأصل مشرقي في النهاية، وليست مستنبتة محليا.

الجابري نفسه وإن أثار حفيظة المشارقة حين قال بغلبة العقل البرهاني بالمغرب مقابل غلبة البياني والعرفاني بالمشرق، فإنه في النهاية يعتبر هذه الأصناف الثلاثة مكونات للعقل العربي.

التبئير على الانتماء الأمازيغي له ميزة الانطلاق من منصة الاختلاف وليس الذوبان.

لنا خصوصيتنا الثقافية التي هي نتاج مسار تاريخي مختلف، والخصوصية تتضمن خاصيتي التطور والانفتاح، بمعنى أنها ليست ماهية ثابتة منذ القدم ومستمرة حتى الآن، كما أنها ليست منغلقة، فاستمراريتها مرتبطة بقدرتها على الأخذ والعطاء في حوارها مع الثقافات الأخرى، بما فيها ثقافة المحتل)، هي نتاج مثاقفة إيجابية.

ما يشوش على هذا، هو بعض الأصوات التي تسقط في منزلق “المفاضلة”، بين “نحن” و”هم”، وهذا السقوط لا يختلف كثيرا عن بعض الخطابات الاستشراقية، وحتى بعض الخطابات الفاشية التي تؤمن بوجود ثقافة افضل من ثقافة بسبب انتماء عرقي.

ننتمي لمجال جغرافي وتاريخي امازيغي يمنحنا خصوصية، يجب أن نقدمها للعالم من موقع الاختلاف، لا المفاضلة، نحترم الثقافات الأخرى، ولا نطلب غير احترام خصوصيتنا.

لسنا افضل من الآخرين، ولسنا أقل منهم، نحن مختلفون، كما هم كذلك.

إن خطاب الإعلام المشرقي حتى لو مجد المغرب بسبب إنجازات المنتخب، فهو ينطلق من مركزية المشرق، ويمتلك صناعة إعلامية متطورة، لخلق وهم التطابق، وللأسف فردود فعلنا في مواقع التواصل الاجتماعي يغلب عليها الانفعال غير المنتج.

فبدون أنظمة سياسية تسخر الإعلام لتقديم الذات للعالم عوض التسبيح بحمد الملوك والرؤساء، فنحن لا محالة سنظل “عربا” تابعين، وحتى إعلامنا الرسمي يخدم هذه التبعية، وإذا أراد أن يتزحزح قليلا، فيتوجه للبحث عن مشترك مع “إسرائيل” المستوطنة كذلك في المشرق، والتي لا ترى الحق والخلاص إلا في بقعة بالمشرق اختارها الرب.

في المحصلة، هناك عمل ينتظرنا لإعادة تصحيح “تشييداتنا” للذات والآخر كان غربيا ام مشرقيا، وعمل لردم الهوة الحضارية والثقافية والقيمية مع الغرب.

صحيح أن الغرب لم يتخلص من إرثه الاستعماري، ولكنه متفوق في قيم التضامن، والمساواة، والحرية، وتقدير الكفاءات، ومحاربة الغش والرشوة والفساد. وهو أمر مربك لي شخصيا ( رفض للغطرسة والهيمنة ودعم الأنظمة الديكتاتورية من طرف هذا “الغرب” خدمة لمصالحه، أو مصالح شعوبه، ولو على حساب شعوب وثقافات اخرى، وإعجاب في الآن نفسه بتقدمه في مجال احترام الحقوق والحريات لمواطنيه، والريادة في العلوم كلها).

وفي هذه الميادين يتساوى الأمازيع والعرب في التأخر، دون الحديث عن التكنولوجيا والتعليم والطب. وما ينجزه الأفراد منهم من تفوق غالبا ما يكون في أوروبا أو أمريكا أو مراكز آسيوية متقدمة (ماليزيا، اليابان،،)، إذ التفوق لا علاقة له بالعرق، بل بالبيئة الحاضنة، وهي شبه منعدمة في بلدان العرب وبلدان الأمازيغ.

بس: الحديث عن التدوينة عن الانتماء لمجموعة بشرية كبرى تستوطن مجالا جغرافيا كبيرا، وليس عن الهويات الفردية للأشخاص التي تبقى شأنا خاصا، لا يحق لأحد أن يصادر حقه في تحديده لهويته، واتهامه إما بالاستيلاب أو الشوفينية.

أضف تعليقك

المزيد من مقالات

الخميس ٣١ مارس ٢٠٢٢ - ٠٤:٠٦

الدروس المستخلصة من حرب روسيا على أوكرانيا (7)

السبت ٢٦ مارس ٢٠٢٢ - ١٢:٢٢

ماذا لو كانت حرب “بوتين” على أوكرانيا حربا دينية

الثلاثاء ٠٥ أبريل ٢٠٢٢ - ٠٨:٤٢

تلفزتنا تشبهنا

الجمعة ٢٤ يونيو ٢٠٢٢ - ٠٢:٠٢

الجيش الأمريكي يؤدي الغناء الناعم وسط المدن المغربية