اعادة هيكلة قطاع الطاقة والمناجم يحول المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن إلى شركة مساهمة
يتجه المغرب إلى مرحلة جديدة في تدبير موارده الطاقية والمعدنية، بعد أن قررت الحكومة تحويل المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن (ONHYM) إلى شركة مساهمة تحت اسم الشركة الوطنية للهيدروكاربورات والمعادن (SONHYM)، وذلك بموجب مشروع القانون رقم 56.24 الذي أُحيل مؤخرًا من رئاسة الحكومة إلى البرلمان.
المشروع، الذي قدمته ليلى بنعلي وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة أمام لجنة البنيات الأساسية والطاقة والمعادن بمجلس النواب، يهدف إلى إعادة تموقع المكتب في قلب الاقتصاد الوطني، وتحسين حوكمته وربحيته، مع فتح رأسماله تدريجياً أمام القطاع الخاص، مع احتفاظ الدولة بالتحكم والأغلبية.
من مؤسسة عمومية إلى شركة استراتيجية
بموجب هذا القانون الجديد، سيفقد المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن صفته كمؤسسة عمومية أُنشئت سنة 2003 بمقتضى القانون رقم 33.01، ليتحول إلى شركة مساهمة (Société Anonyme) تخضع لقواعد القانون التجاري وتتمتع باستقلالية مالية وإدارية أكبر.
وتهدف هذه الخطوة إلى تمكين الشركة الجديدة من التحرك بمرونة أكبر في الأسواق، واستثمار الأصول التي راكمها المكتب على مدى عقود، مع إمكانية إنشاء فروع وشركات تابعة، والمشاركة في المشاريع الوطنية والدولية للطاقة والمعادن، إضافة إلى القيام بمهام لحساب الدولة في إطار اتفاقيات محددة.
ووفق ما أكدت مصادر حكومية ومصادر اخبارية فإن هذا التحول يأتي ضمن الإصلاح الشامل للمؤسسات والمقاولات العمومية، والذي ينص عليه القانون الإطار رقم 50.21 المتعلق بإصلاح القطاع العام، والقانون رقم 82.20 المتعلق بوكالة تدبير مساهمات الدولة.
ويهدف المشروع إلى:
• تنويع مصادر تمويل المكتب وتقليص اعتماده على الميزانية العامة.
• تحسين الحوكمة والشفافية في التسيير.
• تحفيز الشراكات مع القطاع الخاص الوطني والدولي في مجال التنقيب والاستغلال.
• تعزيز دور المغرب في سلاسل القيمة العالمية للطاقة والمعادن.
يشار إلى أن المكتب الوطني للهيدروكاربورات والمعادن راكم خلال العقدين الماضيين قاعدة بيانات جيولوجية وتقنية ضخمة وخبرة كبيرة في الاستكشاف، لكنه ظلّ مقيّدًا بقواعد التسيير العمومي، مما حدّ من قدرته على الاستثمار والتمويل الذاتي.
التحول إلى شركة مساهمة سيمنحها إمكانية جلب رؤوس أموال جديدة، وتوسيع نطاق أنشطتها التجارية، والمشاركة بفاعلية في المشاريع الدولية، خاصة في سياق التحول الطاقي العالمي.
كما يُنتظر أن يتيح هذا النموذج الجديد تعزيز الشفافية والمساءلة في تدبير الموارد الطبيعية، وجعل الشركة أكثر قدرة على المنافسة الإقليمية والدولية.
ووفق الصيغة المقترحة، ستتولى شركة SONHYM:
• استغلال الأصول والحقوق والعقود التي كانت في ملكية ONHYM.
• إدارة مشاريع البحث والتنقيب والإنتاج في مجالي النفط والغاز والمعادن.
• إنشاء شركات تابعة وفروع متخصصة في أنشطة الطاقة والمناجم والخدمات الجيولوجية.
• المساهمة في مشاريع الطاقة الجديدة، مثل الهيدروجين الأخضر والطاقة الجيوحرارية والتخزين الجيولوجي.
• القيام بمهام ذات طابع سيادي لحساب الدولة، مثل الدراسات الاستراتيجية أو تدبير بعض الرخص الوطنية.
كذلك من أبرز ملامح مشروع القانون الجديد فتح رأس مال الشركة أمام الفاعلين الخواص، بهدف تحفيز الشراكة والاستثمار، مع الحفاظ على أغلبية الدولة في الأسهم وحقوق التصويت.
هذه الخطوة تندرج في توجه المغرب نحو تحويل بعض المؤسسات العمومية الكبرى إلى شركات مساهمة من أجل رفع كفاءتها وتخفيض العبء المالي على الميزانية العامة.
ويُنظر إلى هذا التحول كأول تطبيق عملي لسياسة الدولة الجديدة في تحديث المؤسسات العمومية، مما يجعل من ONHYM نموذجًا أوليًا لهذا المسار.
كما يأتي في سياق وطني ودولي يُركز على التحول الطاقي نحو مصادر نظيفة ومستدامة، ويعزز مكانة المغرب كـ منصة إقليمية للطاقة والمعادن، خصوصاً مع المشاريع الكبرى في مجالات الهيدروجين الأخضر والمعادن الإستراتيجية (كالنحاس والكوبالت والليثيوم).
هذا ورغم الطابع الطموح للمشروع، فإن تنفيذه الفعلي سيستلزم معالجة عدد من القضايا العملية، من بينها:
• نقل الأصول والديون والعقود من ONHYM إلى الكيان الجديد SONHYM.
• ضمان حقوق المستخدمين والموظفين خلال عملية التحول.
• تحديد العلاقة المالية والمؤسساتية بين الشركة الجديدة والدولة.
• إرساء آليات صارمة للمراقبة والمساءلة لضمان الشفافية.
ومن المنتظر أن يشكل تحويل ONHYM إلى SONHYM مرحلة مفصلية في إصلاح القطاع الطاقي والمعدني المغربي.
فالشركة الجديدة ستكون مطالبة بإثبات قدرتها على الجمع بين الطابع التجاري المرن والمسؤولية العمومية الاستراتيجية، لتصبح أحد الأذرع الاستثمارية للدولة في مجال الطاقة والمعادن، وقاطرة للسيادة الطاقية الوطنية.
التعاليق