ازدواجية الخطاب الجزائري بين “التساهل مع باريس” و”التصلب تجاه الرباط”
أظهرت تصريحات وزير الخارجية الجزائري، أحمد عطاف، في نهاية الأسبوع، مفارقة لافتة في الموقف الدبلوماسي الجزائري، إذ تبنّى خطابًا هادئًا ومهادنًا تجاه فرنسا في قضية حساسة تتعلق بسيادة الجزائر وكرامة جاليتها، مقابل لهجة متشددة وحادة تجاه المغرب عقب التصويت التاريخي لمجلس الأمن على القرار 2797، الذي أكد للمرة الأولى على مبادرة الحكم الذاتي المغربية كأساس واقعي وعملي لتسوية النزاع حول الصحراء المغربية.
تساهل واضح تجاه باريس:
ففي تعليقه على مصادقة الجمعية الوطنية الفرنسية على مشروع قرار “يدين” الاتفاقية الثنائية الموقعة عام 1968 بين باريس والجزائر، والتي تمنح امتيازات خاصة للمواطنين الجزائريين المقيمين بفرنسا، اكتفى عطاف بالقول إن الأمر “شأن فرنسي بحت”.
وأضاف الوزير في مقابلة مع القناة الجزائرية الدولية:
“من المؤسف أن نرى دولة بحجم فرنسا تجعل من تاريخ دولة أخرى مستقلة مادة للتنافس الانتخابي، لكننا لا نتدخل، فالمسألة داخلية تخص البرلمان الفرنسي وحده.”
وبهذا الموقف، بدا واضحًا أن الدبلوماسية الجزائرية اختارت السكوت المريح تجاه قرار يمس اتفاقية سيادية بين دولتين، في وقت كان يُتوقع فيه رد أكثر حزمًا من طرفها، خاصة وأن الاتفاقية موضوع الجدل تتعلق بوضع الجالية الجزائرية وحقوقها داخل فرنسا.
هذا الموقف الليّن فُسِّر من قبل محللين فرنسيين بأنه سعي من الجزائر للحفاظ على الحد الأدنى من التواصل مع باريس، بعد شهور من البرود السياسي الذي أعقب اعتراف فرنسا في صيف 2024 بخطة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
تعنت لغوي ودبلوماسي تجاه المغرب:
على النقيض تمامًا، جاء خطاب أحمد عطاف بشأن القضية الوطنية للمغرب حادًا ومشحونًا بلغة تصعيدية واضحة.
ففي تعليقه على الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن، اتهم عطاف المغرب بمحاولة “المرور بالقوة لفرض مشروع الحكم الذاتي كإطار وحيد لحل القضية الصحراوية”، معتبراً أن الرباط “فشلت في ذلك”، حسب تعبيره.
وأضاف الوزير الجزائري أن المغرب “سعى إلى القضاء على بعثة المينورسو أو تغيير ولايتها جذرياً، في محاولة لتمرير أهدافه التاريخية”، على حد قوله، قبل أن يكرر الموقف التقليدي للجزائر الرافض لأي حل خارج ما يسمى “حق تقرير المصير”.
هذا التصريح جاء في وقت حظي فيه القرار الأممي الجديد بدعم واسع داخل مجلس الأمن، حيث صوّتت 11 دولة لصالحه، من بينها الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة، ما يمثل انتصاراً دبلوماسياً للمغرب واعترافاً ضمنياً بجدية مبادرته.
ورغم هذا التوافق الدولي غير المسبوق، تمسكت الجزائر بخطابها المتشنج، في موقف وصفه مراقبون بأنه محاولة لتقليص أثر القرار الأممي في الرأي العام المحلي وإظهار “تماسك وهمي” في مقاربة تجاوزها السياق الدولي منذ سنوات.
تحليل دبلوماسي: ازدواجية استراتيجية:
يرى محللون أن الهدوء الجزائري تجاه فرنسا لا يعكس بالضرورة موقفاً عقلانياً بقدر ما هو حساب تكتيكي لعدم خسارة أحد أهم الشركاء الأوروبيين في لحظة عزلة دبلوماسية إقليمية.
في المقابل، فإن الحدة تجاه المغرب تمثل الوجه الآخر لسياسة خارجية تعاني من نقص في المبادرة وتسعى لتعويضه بخطاب صدامي في المحافل الدولية.
ويخلص هؤلاء إلى أن تصريحات أحمد عطاف الأخيرة تكشف ازدواجية بنيوية في الموقف الجزائري.
وبين الحذر مع باريس والتصلب مع الرباط، يبدو أن الدبلوماسية الجزائرية تواصل البحث عن توازن مفقود بين التهدئة الخارجية والتصعيد الرمزي الذي تحاول تسويقه داخلياً لتبرير مواقفها الثابتة، حتى وإن تجاوزها العالم بأسره.
التعاليق