اختبار المنصوري !
نجحت فاطمة الزهراء المنصوري في أول اختبار سياسي وهي تعلن أمام المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة موقفاً واضحاً من إعادة التحالف مع التجمع الوطني للأحرار: «لا حكومة مع الأحرار».
قرار جريء سياسياً، خصوصاً أنه يقطع مع إعادة إنتاج التحالف الذي حكم خلال الولاية السابقة، ويمنح رئيسة الحكومة المكلفة فرصة لتقديم حكومتها باعتبارها بداية مرحلة مختلفة، لا مجرد تغيير في اسم رئيس الحكومة مع الاحتفاظ بالبنية السياسية والبشرية نفسها.
لكن إخراج الأحرار قد يكون أسهل امتحانات المنصوري، لان الامتحان الأصعب يبدأ داخل بيتها.
فإذا كان المطلوب فعلاً هو القطع مع مرحلة ارتبطت في النقاش العمومي باتهامات بتداخل المال والسياسة والمصالح الاقتصادية مع القرار العمومي، فإن السؤال لن يتوقف عند محمد شوكي او عزيز أخنوش أو التجمع الوطني للأحرار.
السؤال الذي سيطرح بقوة هو: ماذا ستفعل المنصوري عندما تجد أمامها أسماء من حزبها تحوم حولها بدورها شبهات تضارب المصالح، أو ارتبطت في النقاش السياسي والإعلامي بملفات أثارت جدلاً حول المال والصفقات والنفوذ؟
هل سيكون المعيار واحداً؟ أم أن «الفراقشية»، بالمفهوم السياسي الذي أصبح متداولاً في الخطاب العمومي لوصف استغلال النفوذ أو تداخل المصالح الخاصة مع المسؤولية العامة، تصبح مشكلة عندما توجد لدى الخصوم، ثم تتحول إلى تفصيل غير مهم عندما توجد داخل البيت؟
لأن رئيسة الحكومة المكلفة تستطيع أن تقول للأحرار إنها لا تريدهم في حكومتها، لكنها ستكون مطالبة أيضاً بأن تقول لبعض الأسماء داخل حزبها: أنتم أيضاً لن تكونوا فيها.
وإلا فإن القطيعة ستتحول إلى مجرد قطيعة مع حزب، لا مع الممارسات التي يُقال إن استبعاده جاء بسببها.
لا يتعلق الأمر بإدانة أي شخص بمجرد الشبهة، ولا يجوز تحويل الاتهامات السياسية أو ما ينشر في الصحافة إلى أحكام قضائية. قرينة البراءة تظل قاعدة لا يمكن القفز عليها، لكن ايضا تشكيل الحكومة ليس محاكمة جنائية أيضاً.
رئيسة الحكومة ليست مطالبة بإثبات جريمة حتى تقرر عدم استوزار شخص. اختيار الوزراء قرار سياسي، ومن حقها أن تضع سقفاً أعلى من الحد الأدنى الذي يفرضه القانون: النزاهة، وضوح المصالح، غياب حالات تضارب المصالح، الكفاءة، والمصداقية أمام الرأي العام.
وهذا يضع المنصوري أمام امتحان يتعلق بما يمكن تسميته «مسامير الميدة»؛ أي تلك الأسماء التي أصبحت حاضرة في كل هندسة حكومية تقريباً، ليس لأنها تنتمي بالضرورة إلى الحزب الفائز، وإنما لأنها تُقدم في كل مرة باعتبارها كفاءات تكنوقراطية لا يمكن الاستغناء عنها.
إذا كانت المرحلة الجديدة تريد بالفعل إنتاج حكومة سياسية مسؤولة أمام الناخبين، فسيكون من المشروع التساؤل أيضاً عن حدود استمرار تدوير الوجوه نفسها تحت عنوان «الكفاءة التكنوقراطية».
ليس المطلوب إقصاء التكنوقراط لمجرد أنهم تكنوقراط، كما ليس المطلوب إقصاء رجال الأعمال لمجرد امتلاكهم شركات.
المطلوب معيار واضح فقط:
من يملك مصالح اقتصادية مباشرة في قطاع معين لا ينبغي أن يوضع في موقع يسمح له بالتأثير في القواعد والصفقات والسياسات التي تمس تلك المصالح من دون ضمانات صارمة وشفافة لمنع التضارب.
وينبغي ألا تكون عودة بعض الشخصيات إلى الحكومة أوتوماتيكية لمجرد أنه يملك نفوذاً داخل الحزب.
ومن استُهلك سياسياً وفقد القدرة على إقناع الرأي العام، ينبغي ألا يتحول إلى وزير أبدي ينتقل من حقيبة إلى أخرى.
لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد فقط: من هي الأحزاب التي ستدخل حكومة المنصوري؟
بل: من هم الأشخاص الذين ستمنعهم المنصوري من دخولها، حتى لو كانوا من حزبها؟
التعاليق