رشيد السمكي
رشيد السمكي
الخميس 02 أكتوبر 2025 - 10:54

احتجاجات جيل z وحرب السرديات العابرة للحدود

الحرب الحديثة لم تعد مدافع وحدودًا على الخريطة، صارت خطوطها الأمامية داخل الهواتف، وعلى شاشات صغيرة تحدد مزاجًا عامًا وتعيد توزيع النفوذ بدون طلقة رصاصة واحدة، دولتان فقط تقريبا عزلتا فضاءهما الرقمي بجدار ناري محكم—الصين وكوريا الشمالية—في مقابل القوى التي بنت وتحكمت في الفضاء الرقمي (الولايات المتحدة، وإسرائيل ضمنًا) تُدير “معارك الوعي” كملف أمن قومي لا يمكن تجاهله.
ففي واشنطن صيغت قضية التطبيقات الأجنبية كقضية أمن قومي، وفي تل أبيب صار الحديث عن “حرب الروايات” جزءًا من عقيدة الاشتباك.
فالرسالة واضحة، من يملك البوابة يملك الحكاية، ومن يملك الحكاية يملك العقول والإرادة والسلاح الفتاك.

لكن في المغرب كما باقي العديد من الدول المتخلفة
، المسؤولون يعيشون في زمن آخر لا يعرف إلا شاشات التلفاز بالأبيض والأسود، وكاننا لم ندخل حرب البيانات وتشكيل الرأي العام على بعد آلاف الاميال، هكذا تُركت ساحة السرد بلا حراسة، فدخلتها روايات جاهزة، مُحكَمة الصياغة، دقيقة التوقيت. احتجاجات أكادير مثالٌ طازج: خرج شباب يشتكون انهيار الصحة والتعليم، فسارعت كبريات الوكالات إلى تأطير المشهد بعنوانٍ جاهز: “الملاعب هنا… فأين المستشفيات؟”. لم يكن ذلك اكتشافًا صحفيًا عبقريًا بقدر ما كان فراغًا اتصاليًا لدينا: إعلام وطني غارق في وهم أن التعتيم يصنع الاستقرار، ومنصّات محلية حوّلت النقاش العام إلى ترند وفضائح موسمية، ثم استيقظنا فجأة في غفلة منا على سردية عالمية تُعرّفنا للناس بدل أن نُعرّفهم بمن نحن.

المشكلة ليست “هفوات صحفية مهنية”. بل نحن أمام خلل في الفهم: الظنّ أن إدارة الرأي العام تُدار بتوجيهات إدارية، لا بمنظومات ثقة، وأن شراء المشاهدات واللايكات يخفي فقدان المصداقية. النتيجة نعرفها: كلما حاول إعلام الإثارة أن يدافع عن قضية وطنية، تسبب في مثل الجمهور للجهة المعاكسة مما يفرز لنا تلقائيا “تأثير البوميرانغ” والتي تصنع رأيا عاما مضادا بدل ان تصنع شرعية داعمة.

الذين راهنوا على إعلام الريع وقعوا في خطأ استراتيجي، وضع الدولة في موقع دفاع وصدام دائم تجاه الشعب المغربي، الذين يحاولون احتكار المشهد الإعلامي خلال السنوات الأخيرة شكلو خطابا إعلاميا مرتجلا افرز نتائج ضد مصالح الوطن.

بشكل بسيط نستطيع ان نضع قواعد لفرز نموذج المؤسسات التي نحتاج ونوع الرسائل التي نريد:

  • فمعيار النجاح ليس “كم شاهد؟” بل “مَن اقتنع؟”. نحتاج قياس الثقة والانطباع الصافي بعد كل موجة تواصل، لا الاكتفاء بعدّاد المشاهدات.
  • فتح البيانات والمؤشرات للعموم. حين تصبح المعلومة عادية ومُحينة، تفقد الشائعة بريقها، ويغدو “الشرح الصاخب” بلا لزوم.
  • التواصل المؤسسي له قواعده، فالرسائل حسّاسة لا يمكن إسنادها إلى منصات بلا رصيد مهني؛ عليها ان تبقى حصرا للصحفيين ذوي مصداقية وخبراء قطاعيين وجمعيات محترمة محليًا فالمصدر النزيه يقنع أكثر من المصدر “المقرّب”.
  • على الدولة ان تجهز وتؤثت غرفة سيادية للسردية بدوام كامل، غرفة ترصد، تنذر وتوضح بنفس سرعة الإشاعة.
  • تأهيل الإعلام العمومي ليدار بميثاق واضح بدل التعليمات. افتحوا الهواء للاعتراض المنظّم والحق في الردّ، وللأصوات الأخرى، لأن احتواء الغضب داخل مؤسسات وازنة يحمي السلم أكثر مما يحميه الصمت.

ان حرب السرديات وحماية الأمن القومي للمغرب يبدأ من المصداقية، ومن الابتعاد عن التأثير بالإثارة لأنها لا تصنع اجماعا، بل فقط تسهم في الاستقطاب الحاد.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من افتتاحية

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق