اجتماع “الاحرار” … الحزب يحصّن حصيلة الحكومة وسط تصاعد المنافسة الانتخابية مع “البام”
عقد المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، الاثنين 27 يوليوز 2026، اجتماعاً برئاسة محمد شوكي، خصصه لمناقشة التطورات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب الاستعدادات التنظيمية للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
ورغم أن بلاغ الاجتماع ركز على مؤشرات الاقتصاد الوطني، ومشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، والإجراءات الحكومية في مجالي الصحة والحماية الاجتماعية، فإن توقيت انعقاد اللقاء يمنحه دلالة سياسية تتجاوز جدول أعماله المعلن.
فالاجتماع يأتي في مرحلة بدأت فيها الأحزاب المغربية الانتقال عملياً من تدبير نهاية الولاية الحكومية إلى التموقع للانتخابات التشريعية لسنة 2026، وسط تحركات تنظيمية واستقطابات جديدة وتبادل متصاعد للانتقادات بين مكونات الأغلبية والمعارضة.
كما أنه أحد الاجتماعات القيادية التي يعقدها التجمع الوطني للأحرار تحت رئاسة محمد شوكي، الذي انتخب في فبراير 2026 خلفاً لعزيز أخنوش، بعدما قرر الأخير عدم الترشح لولاية ثالثة على رأس الحزب وعدم خوض الانتخابات المقبلة. وبذلك يتولى شوكي مهمة إدارة الانتقال التنظيمي، بينما يستمر أخنوش في رئاسة الحكومة إلى نهاية ولايتها.
من قيادة الحكومة إلى معركة الدفاع عن الحصيلة
أعطى بلاغ المكتب السياسي مساحة واسعة للدفاع عن عمل الحكومة، إذ أشاد بما وصفه بـ«الحصيلة المشرفة» للإصلاحات التي قادها عزيز أخنوش، وأكد أن الجهاز التنفيذي سيواصل أداء مهامه إلى اليوم الأخير من ولايته، بعيداً عن الحسابات الانتخابية.
غير أن هذا التأكيد يكشف، في الوقت نفسه، طبيعة المرحلة التي دخلها الحزب. فالتجمع الوطني للأحرار لم يعد مطالباً فقط بإدارة الحكومة، بل أصبح معنياً بتحويل قراراتها وبرامجها إلى رصيد انتخابي يمكن الدفاع عنه أمام المواطنين.
ولهذا ركز البلاغ على إجراءات ذات أثر اجتماعي مباشر، من بينها مراجعة شروط تحديد أسعار الأدوية، وتطوير المنظومة المعلوماتية الصحية، وتعديل نظام الدعم الاجتماعي المباشر. والغاية السياسية من إبراز هذه الملفات واضحة: تقديم الحزب باعتباره القوة التي قادت بناء الدولة الاجتماعية، وربط استمرارية هذه الأوراش باستمراره في موقع المسؤولية.
ويبدو أن القيادة الجديدة اختارت الاحتفاظ بالمحور نفسه الذي بنى عليه أخنوش خطابه خلال السنوات الماضية: مواجهة الانتقادات باستعراض الحصيلة، وتقديم الإصلاحات الاجتماعية والاستثمار العمومي باعتبارهما معيار تقييم التجربة الحكومية.
أرقام الاقتصاد تتحول إلى جزء من الخطاب الانتخابي
استند المكتب السياسي أيضاً إلى التقرير السنوي لبنك المغرب، الذي سجل نمواً اقتصادياً بنسبة 4.9 في المائة خلال سنة 2025، مقابل تضخم متوسط في حدود 0.8 في المائة. وهي مؤشرات تتقاطع مع المعطيات التي تحدثت عن تحقيق الاقتصاد المغربي أعلى نسبة نمو له خلال نحو عقد، مدفوعاً بالاستثمار في البنيات التحتية وانتعاش النشاط الفلاحي.
بالنسبة إلى «الأحرار»، تمثل هذه الأرقام حجة للدفاع عن نجاعة السياسات الحكومية في ظرف دولي اتسم بالتوترات الجيوسياسية وتقلب أسعار الطاقة واستمرار عدم اليقين الاقتصادي.
لكن نقل المؤشرات الاقتصادية إلى المجال الانتخابي لا يخلو من تحديات. فنسبة النمو ومعدل التضخم يقدمان صورة عامة عن الاقتصاد، لكن الناخب يقيس الحصيلة كذلك من خلال قدرته الشرائية، وفرص الشغل، وجودة الخدمات الصحية والتعليمية، ومستوى الأسعار الذي يواجهه في حياته اليومية.
ولهذا ستواجه قيادة الحزب مهمة تحويل الأرقام الإجمالية إلى خطاب مقنع لفئات لا تتعامل مع النمو باعتباره رقماً مجرداً، بل تبحث عن أثره المباشر على الدخل والتشغيل والخدمات العمومية.
أنبوب الغاز.. توظيف الإنجاز القاري في خطاب الاستمرارية
أشاد الاجتماع كذلك بمصادقة قادة المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا على الاتفاقية المؤسسة لمشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي، الرابط بين نيجيريا والمغرب عبر عدد من دول الساحل الأطلسي.
وكان قادة المجموعة قد أعلنوا، خلال قمتهم في فريتاون، دعم الاتفاقية المرتبطة بالمشروع، في خطوة تمنحه إطاراً إقليمياً أوسع بعد سنوات من الدراسات والتفاهمات الثنائية ومتعددة الأطراف.
ويخدم إدراج هذا المشروع في بلاغ حزبي غرضين متكاملين. الأول هو تأكيد الالتفاف حول المبادرات الملكية ذات البعد الإفريقي، والثاني هو تقديم المغرب باعتباره بلداً يحافظ على جاذبيته الاستثمارية وموقعه كشريك في المشاريع القارية الكبرى.
ومع ذلك، يظل أنبوب الغاز مشروعاً طويل الأمد يحتاج إلى تمويلات ضخمة واتفاقات تقنية وتجارية وأمنية قبل بلوغ مرحلة التشغيل. لذلك فإن دلالته الحالية سياسية وإستراتيجية بالدرجة الأولى، فيما يتطلب تقييم أثره الاقتصادي انتظار مراحل أكثر تقدماً من الإنجاز.
تحركات «البام» تضغط على موقع الحزب الأول
لا يمكن فصل اجتماع «الأحرار» عن التحرك الأخير لحزب الأصالة والمعاصرة، شريكه في الأغلبية الحكومية ومنافسه المحتمل في انتخابات 2026.
فقد أعلن «البام»، خلال اجتماع مجلسه الوطني يوم 25 يوليوز، انضمام فوزي لقجع والخطاط ينجا إلى مكتبه السياسي، في خطوة قرئت باعتبارها تعزيزاً لقيادته بشخصيتين تمتلكان حضوراً مؤسساتياً وترابياً. وقد فتح انضمام لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، نقاشاً بشأن طموحات الحزب وترتيبات المنافسة على صدارة الانتخابات المقبلة.
هذا التطور يضع التجمع الوطني للأحرار أمام منافسة مختلفة عن تلك التي واجهها في انتخابات 2021. فحزب الأصالة والمعاصرة ليس مجرد خصم انتخابي، بل شريك شارك معه في تدبير الحكومة، ويستطيع بالتالي الدفاع عن جزء من حصيلتها، مع محاولة تقديم نفسه في الوقت نفسه باعتباره خياراً جديداً للمرحلة المقبلة.
ومن هنا تبرز حساسية خطاب «الأحرار» حول الحصيلة: فالحزب يحتاج إلى تأكيد قيادته للإصلاحات دون تجاهل مساهمة حلفائه فيها، كما يحتاج إلى الحفاظ على تماسك الأغلبية إلى نهاية الولاية في وقت تستعد فيه مكوناتها للتنافس في الدوائر الانتخابية نفسها.
بنكيران يعيد رسم المواجهة بين الأحزاب الثلاثة
بالتزامن مع تحركات «البام»، صعد عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، خطابه ضد حزب الأصالة والمعاصرة، معتبراً أنه يمثل الإشكال السياسي الأساسي مهما كانت هوية رئيس الحكومة المقبل.
كما هاجم التجمع الوطني للأحرار وحصيلة الحكومة، ودعا المواطنين إلى المشاركة المكثفة في الانتخابات وعدم بيع أصواتهم، في محاولة لإعادة حزب العدالة والتنمية إلى موقع القوة المعارضة القادرة على استثمار تراجع الثقة في الأحزاب الحكومية.
ويشير هذا الخطاب إلى أن المنافسة الانتخابية قد لا تقتصر على مواجهة ثنائية بين «الأحرار» و«العدالة والتنمية»، كما حدث خلال محطات سابقة، بل قد تتجه إلى تنافس ثلاثي يحاول فيه كل حزب تثبيت موقع مختلف.
فـ«الأحرار» يقدم نفسه حزب الحصيلة والاستمرارية، و«البام» يسعى إلى تعزيز قيادته وتقديم عرض سياسي متجدد، بينما يحاول حزب العدالة والتنمية استعادة موقعه من خلال معارضة الحزبين معاً وربطهما بتجربة الأغلبية الحالية.
محمد شوكي أمام اختبار إدارة مرحلة ما بعد أخنوش
يحمل اجتماع المكتب السياسي بعداً تنظيمياً آخر يتعلق بتثبيت قيادة محمد شوكي، الذي انتقل إلى رئاسة الحزب في مرحلة دقيقة، بعد سنوات ارتبط فيها التجمع الوطني للأحرار سياسياً وإعلامياً بشخص عزيز أخنوش.
وسيكون على شوكي الحفاظ على وحدة التنظيم، والإشراف على اختيار المرشحين، وإدارة العلاقة مع حلفاء الحكومة، وفي الوقت نفسه بناء صورة سياسية مستقلة تسمح له بقيادة الحملة الانتخابية.
وكان الحزب قد بدأ فعلياً الإعلان عن مرشحيه في مختلف الجهات، مؤكداً اعتماد معايير مرتبطة بالكفاءة والقرب من المواطنين والقدرة على مواصلة الأوراش التنموية، ما يعني أن الاستعداد للانتخابات تجاوز مرحلة الخطاب إلى ترتيب التزكيات والهياكل الميدانية.
لكن التحدي الأكبر أمام القيادة الجديدة لن يكون تنظيمياً فقط. فالحزب الذي تصدر انتخابات 2021 سيتوجه إلى الناخبين هذه المرة بصفته حزباً قاد الحكومة خمس سنوات، وبالتالي لن يكون في موقع تقديم الوعود وحدها، بل سيكون مطالباً بتفسير ما أنجزه، وما تعثر، ولماذا ينبغي منحه ولاية جديدة.
اجتماع حكومي المضمون وانتخابي السياق
بهذا المعنى، يبدو اجتماع المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار حكومياً في مضمونه، لكنه انتخابي في سياقه ووظيفته السياسية.
فالحديث عن النمو الاقتصادي، والدولة الاجتماعية، وأسعار الأدوية، والدعم المباشر، وأنبوب الغاز، ليس مجرد تعليق على ملفات وطنية متفرقة، بل محاولة لتركيب رواية متكاملة عن سنوات قيادة الحكومة: اقتصاد حافظ على النمو، وإصلاحات اجتماعية يجري استكمالها، ومشاريع إستراتيجية تعزز موقع المغرب.
غير أن هذه الرواية ستدخل خلال الأشهر المقبلة في مواجهة روايات حزبية منافسة. وسيحاول «البام» إثبات قدرته على قيادة مرحلة جديدة، بينما سيعمل حزب العدالة والتنمية على تحويل الصعوبات الاجتماعية وانتقادات تدبير الأغلبية إلى رصيد للعودة إلى صدارة المشهد.
لذلك لا يمثل اجتماع الاثنين محطة تنظيمية عادية بقدر ما يشكل بداية واضحة لمرحلة الدفاع الانتخابي عن الحصيلة. فمن الآن فصاعداً، لن تقرأ قرارات الحكومة فقط باعتبارها تدبيراً للشأن العام، بل أيضاً باعتبارها جزءاً من معركة مفتوحة حول من يملك حق قيادة الحكومة بعد انتخابات 2026.
التعاليق