الأحد ٢٢ مايو ٢٠٢٢

ابن تيمية متكلما ..!

الجمعة 22 أبريل 12:04

آسفُ لحال مجتمع كان زاخرا متوهجا بفسيفساء فكرية متراصة وزخم فني راق يعكسان قوس قزح متعدد الأطياف قبل بضعة عقود، وكان يثريه مثقفون وأكاديميون وفنانون جريئون وجسورون إلى ركب العالم. لكن، دارت عليه الأيام، وتكسرت الموازين، واندثرت المعايير، وشاعت شهرة المشيخات الدينية والدنيوية، كلٌّ على طريقته أمام الكاميرات والميكروفونات وسباق أرقام المتابعات.

كان علال الفاسي مثلا يكتب عن الأنسنة والنقد الذاتي من داخل مرجعيات مدرسته السلفية دون أن يعتبر نفسه أو يلقّبه المغاربة ب”الشيخ”. وقبله بستة قرون، كان عبد الرحمن اين خلدون يحاضر في القرويين، ويمنح طلابه شهادة “العالمية”، وليس “المشيخة”، ولا أهلية “الخطابة” في الأمر عن المعروف والنهي عن المنكر.

كان الإعلام التلفزيوني قوة الدفع في رفع مستوى الوعي وتهذيب الذوق العام، يبثّ سهرات “القمر الأحمر”، و”ضي بهاك”، و”موشحات الطرب الأندلسي”، ويحتضن الطاقات الجديدة في مجال الموسيقى والغناء في “مواهب”، فضلا عن “محاكمات أدبية” وكيف أصبح المتنبي وجبران والشابي فرسان الشعر الرصين.

كان للمغرب مجد فكري وفني قائم بذاته. فكانت الشيخات فئة مغمورة تعيش على هامش المجتمع، ولا أحد ينفخهن إلى حجم فئة مؤثرة أو يصنف غنائهن على قائمة top 20. وما يجمع الشيوخ والشيخات، في تطورهما السوسيولوجي، أن كلاهما من كائنات الحواشي، يعملون في منطقة الظل: واحد يذكّر الناس بواجبات الصلاة والصوم والزكاة وأحكامٌ اليوم الآخر بميزان المعروف والمنكر حسب قناعاته ومستوى فهمه للنص القرآني، وأخرى تحثهم على الزهو والمجون وركوب المحظورات أحيانا على طريقة الصعاليك، وكأنما العمر ليس إلاّ ليلة حسب قناعاتها البوهيمية، أو كما رددت الحمداوية “عافا شيري بشوية….”

ما يثير الشعور لديّ بالضيم الحضاري أن ينقسم المغاربة إلى شيع وقبائل حماسية وانفعالية في أرض الوغى في معركة المشيخات الجديدة، وقد وجد أهل الحل والعقد فيها سبيلا مطواعا لإغراق النقاش العام بعيدا عن أسئلة الأمن الغذائي وتضخم الأسعار وأداء حكومة تكنوقراط قالوا عنها إنها ستحصد الخيرات على ظهور الجمال.

من المفارقات أن يلوّح البعض بمنطق القناعة الدوغمائية أنه يملك التقوى الروحية والفكرية والقِيَمِية إلى حد تنصيب نفسه وصيا على المجتمع بالطول والعرض. وقد يتمادى البعض في التمسك بما يبدو لاهوتا اجتماعيا باسم مكانة الدين في المجتمع. ويذهبون في محاربة ما لا يقبلونه من طرح غير محاب إلى حد إيقاظ ابن تيمية من قبره، والعودة به نبيا مبايَعًا وملكًا متوّجا.

نشرت مقالتي “يَوْمَ انتحر النبوغ المغربي بين شيخ وشيخة” أمس لتقديم تطور لغوي وكيف تبلور للشيخ والشيخة مقامهما أنثروبولوجيا في الثقافة والمجتمع. وتعمدت أيضا أن أستميل العقول والصدور إلى التريث وقبول أن لا تاريخ ولا مؤسسة ولا شخصا فوق النقد أو ممنوعا من الصرف التقريظي. فجاءت عباراتي الإضافية تقول: “بلاغ إلى مريدي “الشيخ” ومريدي “الشيخة”: لا تدعوا تشنج الحنق وانفعال الحماسة يُسْقِطانكم في تأويلات لا تحتملها التدوينة، وهي تأصيلٌ لغويٌ ومجتمعيٌ لهما، وحسرةٌ على مغرب ضعيف النقاشات العامة. فلا تكونوا قوما يرمون بالزناد، ثم يبحثون عن الهدف، وهم في جهالتهم لا يبصرون!”

يقتضي منطق التعددية وحتمية الاختلاف أن نتفاعل مع الأفكار قبولا أو رفضا، ونقدم اجتهادات إزاء ما لا نتفق معه. فتتحرك الجدلية نحو نسق تركيبي إلى الأمام. لكن أصحاب بعض التعليقات أخرجوا على ما يبدو سيوفهم من غمادها، ليس للتباري الفكري بروح رياضية، وإنما للانتقام ونصرة بني جلدتهم المشيخية، وقطع الطريق على من تسوّل له نفسه أن يحاجج في ملكيتهم التقوى الدينية والوصاية على المجتمع من الأزل إلى الأبد، وكأنهم يحاربون في صف ابن تيمية في معركة شقحب عام 702 هجرية والتي انتهت بانتصار المماليك على التتار. هم في حماستهم وإسقاطاتهم كمن يقترب من هندسة لاهوت مقدس داخل دين لم يقم أصلا على وساطة بين الخالق والمخلوق، بل على فلسفة اعتدال بين مباهج الحياة الدنيا وحسابات الحياة الآخرة.

ما لا أستصيغه أن يتعالى غرور بعض المتفيقهين في ادعاء احتكار المعرفة والنقاش في الدين، أو رمي غيرهم بأنهم يتطفلون على “تخصص” أو يتطاولون على سوق “الفضيلة”. فكتب أحدهم يقول: “تعس عقل لم تزده الثقافة إلا نأيا عن الخلق؛ وترديا في مهاوي العداوة لكل فضيلة، فلا هو ترك ما يجهله لمن يتقنه، ولا راعى أعراف الناس وصرف همه إلى ما يحسنه، وتلك عادة من أرخى لنفسه قيادها ليمرح في كل علم، ظنا منه أن حاله وتخصصه يلزمه الخوض في كل فن. ومن تكلم في غير فنه أتى بالعجائب.”

تأملت مثل هذه التعليقات، ورددت قائلا: “تعبتْ نفسٌ من فرط تكابرها أنها تحتكر المعرفة وتؤجّر طابقا علويا في برج التقوى لذاتها مدى العمر. وتكلّسَ عقلٌ من بؤس اعتقاده أن العلم والفضيلة حكرٌ على من أرخى لحية وأكثر بسملة. وانغلقتْ جمجمةُ من يذود على صكوك الفكر وتوزيعها على ذوي قبيلته حصرا بعصبية الإقصاء لمن خرج عن ملّة المذهب الواحد والطريقة الواحدة. وعاثَ الترهّل في دماغٍ يخيم فيه العنكبوت المتوالد عبر سنين، ويغلق عليه الرؤية إلى أن الصراعات أصناف وملل ونحل بين الدين والثقافة والتاريخ والمجتمع، ولها أهلها من ذوي الألباب. ولا تلامسها مخيلة من لا فن ولا علم لديه سوى أن يطلق العنان للسانه في الاستخفاف والتشهير بغيره بعد أن تجلى ضعفه وعجزه عن ضرب الحجة بالحجة، وهذا العجب العجاب!”
لسنا شعبا يغرق في المسافة بين لحية مدلاة وخصر راقص!

أضف تعليقك

المزيد من مقالات

السبت ١٦ أبريل ٢٠٢٢ - ٠١:٤١

“فرصة” من الخيمة خرج مايل

السبت ٢١ مايو ٢٠٢٢ - ١١:٠٧

الخطر القادم من الملاعب !

الأحد ٠٨ مايو ٢٠٢٢ - ٠٨:٠١

إئتلاف مجالس دور الشباب… بين المصداقية و التطوع

الجمعة ٠١ أبريل ٢٠٢٢ - ٠٨:٣٤

مقاربة ملكية لتدبير أزمات المغرب الدولية