السبت ٢٨ يناير ٢٠٢٣

إيمانويل كانط المساند الرسمي للمنتخب الوطني المغربي في التَّباري على كأس العالَم

الأثنين 12 ديسمبر 15:12

عبد الرحيم رجراحي*

    ما علاقة فيلسوف ألماني عظيم من طينة إيمانويل كانط بالمنتخب المغربي لكرة القَدم؟ لعل هذا سؤال مشروع يحقُّ للقارئ الكريم أن يطرحه، بل يحقُّ له أن يطرحه باستغراب كبير، إن لمْ نقل من حقه كذلك أن يستهجنه، ولا سيما أن إيمانويل كانط عُرف عنه أنه ألَّف مشروعا فلسفيا نقديا وقد بلغ من العمر عتيا؛ مثلما عُرف عنه أنه كان يمارس رياضة المشي في أحد شوارع كونسبورج حتى أُطلِق عليها نزهة الفيلسوف أو ممشى كانط؛ مثلما عُرف عليه أن جيرانه كانوا يضبطون ساعاتهم على أوقات دخوله وخروجه من منزله، نظرا لحرصه المتطرِّف على تدبير أوقات يومه؛ بل عُرف عنه أنه قضى حياته أعزبا. لكن لم يُعرف عنه أن كان لاعبا في صفوف المنتخب الألماني لكرة القدم أو في أحد أندية ألمانيا؛ مثلما لم يُعرف عنه أنه كان مدرِّبا لأحد فرقها؛ أو أنه صاحب شركة مثل شركة أفريقيا لأخنوش التي تساند المنتخب المغربي رغبة من صاحبها في إشهار بضاعته.

    لعل ما يجعلنا نقرن إيمانويل كانط بالمنتخب المغربي هو أن هذا يترجِم أحد دروسه الفلسفية داخل ملعب كرة القدَم، ومقتضاها أن إمكاناتنا هي التي تحِّدد ما نستطيع فعله أو بلوغه أو تحصيله؛ وهو الدرس الذي جعل المنتخب الوطني المغربي لكرة القدم يتجاوز الدَّور الأوَّل من أدوار كأس العالَم؛ ثم دور الثمن؛ ثم الربع؛ حتى صار قاب قوسين أو أدنى من كسب الدور نصف النهائي، ولِما لا الفوز بكأس العالَم، وما أدراك ما كأس العالَم!

    يرجع هذا النجاح في اعتقادنا، بعيدا عن اللغة التقنية للخبراء، إلى أنه منتخب يلعب مقابلاته وفق الإمكانات التي تسمح بها ظروفه؛ ووفق شروطه التاريخية؛ ووفق ما يفرضه خصومه من المنتخبات الوطنية المشاركة في كأس العالم، ومنها ما ينتمي إلى دول متقدمة تحتل المراتب الأولى في سلَّم التنمية، بينما المغرب لازال محسوب على دول العالَم الثالث، حيث يحتل مجاليْ التعليم والصحة مؤخرة معايير التنمية المتعارف عليها، وهذا بشهادة التقارير الداخلية والخارجية.

    لكن على الرغم من ذلك، على الرغم من كل ذلك، إلا أن لا أحد ينكر النجاح العالمي الذي استطاع أن يحقِّقه المنتخب الوطني المغربي، وهو يرجع، في اعتقادنا، إلى الوعي بحدود إمكاناته بالمقارنة مع منتخبات كبيرة مثل كرواتيا وبلجيكا وإسبانيا والبرتغال…إلخ، والتي تضم بين صفوفها نجوما من أمثال كريستيانو رونالدو ونايمار ومودريتش…إلخ؛ ذلك أننا نجدُ المنتخب المغربي يحاول حسم المقابلة لصالحه في الشوط الأوَّل، لكي يتفرَّغ في الشوط الثاني منها إلى الدفاع عن هذا المكتسب، ولا سيما أن إمكاناته البشرية لا تسمح بمجاراة مباراة من تسعين دقيقة بإيقاع واحد وما يحتاجه ذلك من مجهود بدني كبير.

    تجدر الإشارة إلى أن الحفاظ على النتيجة الإيجابية المحقَّقة من طرف المنتخب الوطني المغربي في كل مبارياته ليس أمرا معطى، إنما يحتاج، بلغة إيمانويل كانط، إلى تحكيم العقل النظري من خلال التركيز التاكتيكي طيلة أطوار المباراة؛ مثلما يحتاج إلى العقل العملي، من خلال الالتزام الأخلاقي بتعليمات المدرِّب، وذلك باستعمال العقل استعمالا مخصوصا لا يحيد عنها قيد أنملة، فضلا عن الوفاء لروح الوطن؛ وهو ما يتضح بجلاء في كل المقابلات التي لعبها المنتخب الوطني المغربي، والتي أبان فيها عن خبرة تقنية في مجاراة أطوار المباراة، مثلما أبان عن روح وطنية تتمثل في صمود اللاعبين، وقتاليتهم المشهودة إلى حين إعلان الحَكَم صافرة النهاية.

    لعل هذه دروس كانطية كتبها لاعبوا المنتخب المغربي بأقدامهم وعقولهم النظرية والعملية على ملاعب قطَر المعشوشبة، وسجَّلوها في مرمى خصومهم، وكأن إيمانويل كانط لم يمتْ، إنما حلَّت روحه الفلسفية بالمدرِّب وليد ركراكي لكي تنير له سبل الفوز بمباراة بعد أخرى، مجنِّدا ما يناسب كل مباراة على حدة، بعيدا عن جنون العظمة، أو الخوف المرضي، أو التقليد الأعمى، أو خيبات الماضي، أو الخضوع لإملاءات خارجية، فكان بذلك مدرِّبا حكيما، ورمزا للتنوير الكانطي، بما هو تحرُّر من الوصاية، وجرأة على الاستعمال العمومي للعقل؛ وهو ما تجلَّى في تصريحاته الصحفية التي يسلِّم فيها بإمكانات فريقه، عاقدا العزم على تدبيرها وفق ما تسمح به شروط المباريات، وسلاحه في ذلك النهج التاكتيكي، والالتزام الأخلاقي، والاعتصام بحبل الحكمة، والإيمان بميتافيزيقا العمل بالنِّيات.

يسمح لنا ما تقدَّم أن نقول، وبالفم المليان، أن المنتخب الوطني المغربي، لم يتأهل فحسبْ للدور نصف النهائي، إنما هو المرشَّح الأوَّل للظفر بكأس العالَم، كيف لا وروح إيمانويل كانط، هذا الفيلسوف التَّقي، تحفُّ وترعى انتصاراته، وقد يكون هذا الفوز هو عزاء صاحب كتاب نقد العقل الخالص في خروج المنتخب الألماني من الدور الأوَّل، عِلما أن المنتخب الوطني المغربي لا يمثِّل القومية الألمانية، أو حتى القومية العربية التي يتم نسبها له غصبا من طرف بعض المعلِّقين على المباريات لحاجة في نفس بعض القنوات الإعلامية التي تبثها، إنما هو تعبير عن روح تامغريبيت المتجذِّرة في تاريخ شمال أفريقيا، سواء في الأرض أو اللغة أو الهوية.

    ولعل هذه الهوية المغربية تتجلى أيما تجل في أمهاتنا المغربيات اللواتي يرافقن فلذات أكبادهن إلى الملاعب، وتبرُّك اللاعبين بقبلات الحب والجميل والاعتراف والتقديس على رؤوسهن، وكأنهنَّ إلهات يحرسنَ أبناءهم من الهزيمة والشر، ويضمنَّ لهم التمكين والنصر؛ بل تجلَّت تامغربيت في الجماهير التي لم تكتم مشاعر البهجة والفرح على الرغم من الهم والغم، ومظاهر الفساد والاحتكار وغلاء الأسعار، ولسان حالها يقول: اليوم خمر وغدا أمر.

    ومثلما افتتحنا مقالنا بسؤال حاولنا الجواب عنه في ضوء تقديرنا للأمور، فإننا نختمه بسؤال آخر نجيب عنه في مقال لاحق حتى لا نفوِّت على القارئ الكريم وعلينا أيضا فرصة الفرح بالانتصار المغربي العظيم، وهو كالآتي: ألا يحتاج المغرب لمساندة كانط أو لكانطيين جدد في مجالات أخرى من قبيل التعليم والصحة حتى نضمن للمغرب الخروج من عنق الزجاجة، ونرتقي في مصاف الدول المتقدمة بدل أن نجعل من كرة القدم أفيونا للشعب وعزاء في صحته العليلة، وتعليمه المعطوب، وجيبه المثقوب؟

*باحث في الفلسفة

أضف تعليقك

المزيد من مقالات

الأحد ٢٨ أغسطس ٢٠٢٢ - ١١:٤٧

مؤتمرTICAD يسأل: من هوآخر_المغاربيين”؟

الخميس ٠٥ يناير ٢٠٢٣ - ٠٣:٢٩

حول مطلب إلغاء مباراة المحاماة

الأحد ٠٥ يونيو ٢٠٢٢ - ٠٥:٣٢

المغرب و عقوبة الإعدام

الأحد ٢٧ مارس ٢٠٢٢ - ٠٤:٥٦

الدروس المستخلصة من حرب روسيا على أوكرانيا (6)