إنسان بأنياب ذئب
…ارتعش البحر في الصباح، وحَملَتكَ اختلاجة موجة إلى الرمل المخلوط بغبار سكة القطارات القريبة. مُعلبات السردين الحديدية الصدئة، لمعت مثل ذهب.
تدحرجْتَ لأمتار. صِرتَ رجلا من رمل، وكان والدك البحار يقف على الماء، لا طاف ولا يغوص، وأسماك كثيرة تتقافز حواليه. يُوزّع الابتسامات ويفتح ذراعيه كمسيح يقاد إلى جلجلة.
كان هذا في زمن بعيد أو خيل إليك، الدمعة التي سقطت من عين امرأة ذات حواجبَ كثيفة، باتت جوهرة، أو حصى، أو يراعة مضيئة، أو شقيقة نعمان…
تعلم أن البحر سرق طفولتك. والمرأة أعطيتَها كبدك، وجثتك الرملية تنز منها رائحة عشب يُردّد غناءَ بَدَويٍّ عن الريح الشرقية.
كان هذا منذ مئة عام أو أقل.
رفعتك حشرات سرية مفتولة السيقان إلى الغابة، كنت مفتونا بأشعة شموس لم ترها المدن، نور يلتف على عنق شجرة، فتهتز مسقطة ثمارها. تميس ظبية مختالة، وتقفز رشيقة فوقك إلى جدول ماء يسيل في الصخر.
وتقضم صغارها أوراق أغصان اشتبكت بطينكَ فأينعتَ.
ثم مادت الأرض، فأمسكتْ أياديك بشوك القصوان، وتصلّبت رجلاك، وسالت فيهما دماء حيوان بري، اقتنصه صياد.
البحر ولدك. المدينة ضيّعتك.
أنتَ اليوم إنسان بأنياب ذئب من خشب…
التعاليق