إفادة
إفادة
الأحد 23 نوفمبر 2025 - 01:54

أيتها الدولة… الصحافة ليست خصمكم، هي جهاز إنذار ينقد الدول من الكوارث قبل وقوعها

هناك لحظات صغيرة في تاريخ الأمم تبدو في ظاهرها مجرد سجال مهني، لكنها في الحقيقة تُعرّي خللاً عميقاً في علاقة الدولة بمحيطها.النقاش الدائر اليوم حول المجلس الوطني للصحافة، وحول لوبيات تحاول إعادة تشكيل المجال الإعلامي وفق مقاسها، ليس نقاشاً مهنياً. إنه سؤال أكبر: أي نموذج تُريد الدولة المغربية تبنّيه لعلاقتها بالصحافة؟هل تريد صحافة تُدار بالوصاية، وتُهذَّب لتقول ما يُرضي من في يده القرار؟أم تريد صحافة حرة، قد تُزعج أحياناً، لكنها تُنقذ الدول من الكوارث قبل وقوعها؟هذا سؤال موجّه، اليوم، لأصحاب القرار الحقيقيين في المغرب… أولئك الذين يمسكون بالخيوط الدقيقة لإدارة هذا البلد.في الدول الراسخة، لا تُقاس قوة الدولة بقوة جيشها فقط، بل بمدى حرية صحافتها. لأن الصحافة الحرة ليست “ترفاً ديمقراطياً”، بل هي جهاز المناعة.هي التي ترى ما لا يراه المسؤول المنشغل بحساباته الداخلية، وهي التي تنبّه للانحرافات قبل أن تُصبح فضائح، وهي التي تقول “لا” حين يختار الجميع الصمت.الصحافة التي تُزعج مراكز القوة اليوم، هي نفسها التي تحميهم غداً حين تشتعل النار في زاوية لم ينتبه لها أحد.ما الذي يحدث عندما تُحاول دولة أن تُخضِع الإعلام؟يحدث شيء بسيط جداً: يفرغ الداخل، فيملؤه الخارج.منصات خارجية، أجندات لا تمتّ للدولة بصلة، روايات تُحاك في الظل، والغريب أن بعض هذه المنصات تُعامل داخل المغرب كمرجع، فقط لأن “الإعلام الوطني” اختار الصمت أو فرض عليه الصمت.الدول التي تُحارب الصحافة المستقلة تُشبه من يقرر أن يُعطل جهاز الإنذار لأنه يزعجه صوته… قبل أن يجد نفسه محاطاً بالنيران.ان من يحاول اليوم إعادة تشكيل الصحافة المغربية وفق أجندته… يلعب بالنارفالمحاولات التي تجري اليوم للسيطرة على المجالس، ضبط الصحافيين، تجييش مواقع لخط تحريري واحد، وتحويل المنابر إلى أذرع، لن تُنتج صحافة قوية ولا سرديات وطنية، بل ستُنتج شيئاً آخر تماماً:فراغ في الثقة، وانكماش في المعلومة، وارتباك في إدارة الأزمات.وفي زمن حروب السرديات، من يفرّط في استقلالية الصحافة، يفرّط في أمنه القومي قبل أي شيء آخر.فمن يحمي حينمها الدولة من الدولة؟الصحافة ليست ضد الدولة، بل تقف ضد انحرافات الدولة لصالح الدولة.هي “العقل الثاني” للدولة… ذاك الذي يسأل الأسئلة التي يخاف السياسي أن يطرحها، ويفتح الملفات التي يتردد المسؤول في الاقتراب منها.دولة بلا صحافة مستقلة تشبه سيارة بلا مكابح: جميلة من الخارج، سريعة أحياناً، لكنها محكومة بالاصطدام.والتاريخ — القريب والبعيد — قدم أمثلة دامغة: الدول التي كمّمت صحافتها لم تستطع أن ترى الانهيار وهي تتجه نحوه.ليس المطلوب صحافة معارضة… المطلوب حقا صحافة حية … صحافة لا تعمل ضد الدولة، بل تعمل من أجل أن تبقى الدولة واقفة.صحافة لا تخدم الأجندات، بل تخدم الحقيقة.صحافة تزعج، نعم… لكن الإزعاج جزء من وظيفتها الطبيعية.نداء أخير إلى من يقررون: لا تحتاجون إلى صحافة مطيعة… تحتاجون إلى صحافة شجاعةهذا البلد لا ينقصه الذكاء السياسي، ولا تنقصه المؤسسات، ولا تنقصه الخبرة.ما ينقصه — في لحظة حساسة كهذه — هو أن تتصالح الدولة مع الفكرة البسيطة التي قالها أحد روّاد الدولة الحديثة:إذا كانت الصحافة بخير… فالبلد بخير.والعكس أيضاً صحيح.هذا الكلام موجّه إلى الحكم، لا إلى الصحافيين.لأن الصحافة القوية لا تشتغل “رغماً عن الدولة”… بل تشتغل مع الدولة، ولصالح مستقبل أبنائها، وضد أي انحراف يهددها من الداخل قبل الخارج.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من مقالات وأراء

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق