يوسف معضور
يوسف معضور
الجمعة 10 يوليو - 10:44

أكوا .. صفقة سعودية تسائل التموضع الاقتصادي المغربي اقليميا

دخلت موريتانيا مرحلة جديدة في تطوير قطاع الكهرباء، بعد توقيع شركة أكوا السعودية اتفاقيتي الشراكة بين القطاعين العام والخاص PPP واتفاقية شراء الطاقة PPA، لتطوير وتمويل وبناء وتشغيل محطة ندياغو لإنتاج الكهرباء بالدورة المركبة باستخدام الغاز الطبيعي، بقدرة إنتاجية تبلغ 230 ميغاواط، في أول مشروع مستقل واسع النطاق لإنتاج الكهرباء بالغاز في البلاد. وأكدت الوكالة الموريتانية للأنباء أن الاتفاقيات وُقعت في نواكشوط، وأن المحطة ستقام في منطقة ندياغو بولاية الترارزة، وستعتمد على الغاز القادم من مشروع السلحفاة الكبرى آحميم GTA.

لكن أهمية المشروع لا تقف عند حدوده التقنية أو الطاقية، بل تطرح زاوية أوسع بالنسبة للمغرب: كيف استطاعت شركة سعودية أن تظفر بأول مشروع غازي مستقل في موريتانيا، بينما لا يظهر أي فاعل مغربي ضمن المعطيات المعلنة، رغم القرب الجغرافي والعلاقات التاريخية والاقتصادية بين الرباط ونواكشوط؟

صفقة طاقة أم رسالة تموقع؟

تؤسس الاتفاقية لمرحلة جديدة في قطاع الكهرباء الموريتاني، لأنها تفتح الباب أمام نموذج المنتج المستقل للكهرباء IPP، القائم على تطوير وتمويل وتشغيل المنشآت من طرف القطاع الخاص، مقابل عقود طويلة الأمد مع الدولة أو شركة الكهرباء الوطنية.

وتفيد المعطيات المالية المنشورة نقلا عن إعلان الشركة في السوق السعودية بأن قيمة المشروع تقارب 700 مليون دولار، وأن مدة العقد تمتد لـ25 سنة، مع تولي شركة المشروع Ndiago Power Company مهام التصميم والتمويل والبناء والتشغيل والصيانة، بينما تمتلك أكوا حصة فعالة تبلغ 60 في المائة.

وهنا تكمن الدلالة الأولى: المشروع ليس مجرد صفقة هندسية، بل تموقع طويل الأمد داخل قطاع استراتيجي في موريتانيا، هو قطاع الكهرباء المرتبط مباشرة بالغاز، والصناعة، وجاذبية الاستثمار، واستقرار الشبكة الوطنية.

وحسب المعطيات الرسمية والمعلنة إلى حدود الآن، فان الأطراف المعلنة هي الحكومة الموريتانية، وشركة الكهرباء الموريتانية SOMELEC في اتفاق تحويل الغاز إلى كهرباء، وشركة أكوا السعودية عبر شركة المشروع. كما أن الإعلان المالي المتداول يشير إلى حصة أكوا البالغة 60 في المائة داخل Ndiago Power Company.

هل السعودية تنافس المغرب في حدوده الإقليمية ؟

لا يمكن قراءة فوز أكوا خارج تراكم دبلوماسي واقتصادي بدأ قبل التوقيع النهائي. ففي أبريل 2024، تم توقيع مذكرة تفاهم بين موريتانيا والسعودية في مجال الطاقة، كانت أكوا في قلبها، وشملت دراسة لإنشاء أنبوب غاز من موقع إنتاج GTA نحو ميناء ندياغو، إلى جانب بناء محطة غازية لإنتاج الكهرباء.

بمعنى آخر، الشركة السعودية لم تدخل المشروع في لحظة التوقيع فقط، بل اشتغلت على مسار طويل من التحضير، جمع بين الدبلوماسية الطاقية السعودية، والتمويل، والخبرة في مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والقدرة على تقديم نموذج متكامل: تمويل، بناء، تشغيل، وصيانة.

هذا هو الفارق الذي ينبغي أن يقرأه المغرب جيدا. فالمنافسة في إفريقيا لم تعد قائمة فقط على القرب الجغرافي أو العلاقات التاريخية، بل على قدرة الشركات والدول على تقديم حزمة جاهزة: تمويل طويل الأمد، خبرة تقنية، تحمل للمخاطر، وعقود قابلة للتمويل لدى البنوك والمؤسسات الدولية.

من زاوية ضيقة، يمكن اعتبار الصفقة مؤشرا على دخول سعودي قوي إلى مجال ظل المغرب يعتبره امتدادا طبيعيا لعمقه الجنوبي، خاصة أن موريتانيا تمثل بوابة استراتيجية بين المغرب وغرب إفريقيا.

لكن من زاوية أوسع، لا تبدو الصفقة بالضرورة عملا موجها ضد المغرب. السعودية تتحرك بمنطق توسيع نفوذها الاقتصادي في إفريقيا، وأكوا تبحث عن أسواق نمو في الطاقة والماء والهيدروجين، وموريتانيا تبحث عن فاعل قادر على تمويل وتنفيذ محطة استراتيجية في ظرفية تستعد فيها لاستغلال الغاز.

المشكلة بالنسبة للمغرب ليست في أن السعودية فازت بالمشروع، بل في السؤال التالي: أين الشركات المغربية القادرة على المنافسة في مشاريع الطاقة الكبرى جنوب المملكة؟

فالمغرب راكم تجربة مهمة في الطاقات المتجددة، والبنيات التحتية، والتمويل البنكي الإفريقي، والحضور المقاولاتي في غرب إفريقيا. غير أن هذا الرصيد لم يتحول بعد، بالقدر الكافي، إلى شركات مغربية كبرى تنافس على مشاريع IPP وPPP في الطاقة والماء والغاز داخل الدول المجاورة.

ماذا يخسر المغرب إذا بقي خارج مثل هذه المشاريع؟

غياب الفاعل المغربي عن مشروع من هذا الحجم لا يعني خسارة اقتصادية مباشرة فقط، بل يعني أيضا فقدان موقع داخل سلسلة قرار طاقي طويلة الأمد في بلد جار.

فمحطة ندياغو ستربط الغاز الموريتاني بإنتاج الكهرباء، وستساهم في استقرار الشبكة، وجذب الاستثمار، وربما لاحقا في دعم مشاريع صناعية أو معدنية أو لوجستية. ومن يتموقع في هذه المرحلة المبكرة من البنية الطاقية، يكتسب أفضلية في مراحل لاحقة: التوسعة، الصيانة، التمويل، الربط، الخدمات التقنية، وربما مشاريع الهيدروجين أو تحلية المياه.

ومن هذه الزاوية، تبدو الصفقة السعودية رسالة واضحة: إفريقيا جنوب المغرب تتحول إلى ساحة تنافس اقتصادي بين قوى إقليمية تمتلك أدوات تمويل وتنفيذ، ومن لا يحضر مبكرا في المشاريع المهيكلة سيجد نفسه لاحقا موردا ثانويا أو مراقبا من بعيد.

ومن زاوية أخرى فان صفقة ندياغو تكشف أن العلاقات السياسية الجيدة وحدها لا تكفي. القرب الجغرافي لا يمنح الأفضلية تلقائيا. والتاريخ المشترك لا يعوض غياب الشركات القادرة على الدخول في مشاريع ممولة ومعقدة وطويلة الأمد.

لقد استطاعت أكوا أن تظفر بالمشروع لأنها جاءت بنموذج مكتمل: خبرة دولية، قدرة مالية، علاقة مؤسساتية سعودية-موريتانية، واستعداد لتحمل مخاطر مشروع يمتد لـ25 سنة. أما المغرب، فرغم قربه من موريتانيا وتراكم حضوره الاقتصادي في إفريقيا، فلا يظهر في المعطيات المعلنة شريكا في هذه المحطة.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تنافس السعودية المغرب في موريتانيا؟ بل: هل يمتلك المغرب أدوات اقتصادية كافية لتحويل عمقه الإفريقي إلى صفقات ومشاريع وبنيات تحتية، أم أن حضوره سيظل سياسيا وماليا عاما دون اختراق قوي في مشاريع الطاقة الكبرى؟

مشروع ندياغو ليس فقط محطة كهرباء. إنه مؤشر على أن جنوب المغرب يدخل مرحلة جديدة من التنافس الاقتصادي، حيث لا تنتصر الخطابات، بل تنتصر الشركات القادرة على التمويل والتنفيذ والتشغيل طويل الأمد.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من اقتصاد

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق