أعمارة يدق ناقوس الخطر بخصوص عجز مائي كبير بالمغرب
حذّر رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، عبد القادر اعمارة، من أن المغرب يواجه وضعًا مائيًا “حرجًا وغير مسبوق”، مؤكّدًا أن أزمة الماء لم تعد ظرفية أو مرتبطة بسنوات جفاف عابرة، بل تحوّلت إلى أزمة بنيوية عميقة تفرض اعتماد خطط واستثمارات استثنائية لضمان الأمن المائي للبلاد.
وأوضح اعمارة، في كلمة ألقاها خلال مؤتمر حول السدود وتحلية المياه بالمغرب، نظم بمدينة الدار البيضاء، أن الجهود الكبيرة والاستثمارات التي بذلتها الدولة خلال العقود الماضية لم تعد كافية أمام التغيرات المناخية الحادة وتوالي سنوات الجفاف، مبرزًا أن الخلل بين العرض والطلب على الموارد المائية مرشح للتفاقم خلال السنوات المقبلة.
مؤشرات مقلقة
وأشار رئيس المجلس إلى أن المعطيات المناخية تُظهر تراجعًا مستمرًا في التساقطات المطرية وارتفاعًا في درجات الحرارة، ما أدى إلى تقلص الموارد المائية السطحية والجوفية. وأضاف أن نصيب الفرد من المياه المتجددة انخفض إلى أقل من 620 مترًا مكعبًا سنويًا، بعد أن كان يفوق 2560 مترًا مكعبًا سنة 1960، وهو ما يضع المغرب ضمن الدول التي تعاني من “إجهاد مائي بنيوي”.
وسجّل اعمارة أن مخزونات السدود تعكس بدورها حجم الأزمة، إذ لم يتجاوز معدل ملء السدود 31 في المائة مع اقتراب نهاية سنة 2025، ما يعني بلوغ الاحتياطي الاستراتيجي مستويات مقلقة، في وقت يتزايد فيه الطلب على الماء بفعل النمو الديمغرافي، والتوسع العمراني، وتطور الأنشطة الفلاحية والصناعية والسياحية.
عجز مائي في أفق 2050
وبالاستناد إلى دراسات الوزارة المكلفة بالماء، كشف اعمارة أن الكمية السنوية الممكن تعبئتها قد تنخفض إلى حوالي 13 مليار متر مكعب بحلول سنة 2050، مقابل طلب قد يصل إلى 20 مليار متر مكعب سنويًا، ما يعني تسجيل عجز يفوق 7 مليارات متر مكعب في أفق ربع قرن.
واعتبر المتحدث أن هذا العجز يشكل تهديدًا مباشرًا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، إذا لم تتم معالجته عبر سياسات عمومية جريئة واستثمارات كبرى، مذكرًا بالتوجيهات الملكية الواردة في خطاب افتتاح البرلمان في 14 أكتوبر 2022، والداعية إلى تسريع تنزيل البرنامج الوطني للماء 2020–2027، خاصة في ما يتعلق بتحلية مياه البحر، وبناء السدود، وإعادة استعمال المياه العادمة.
توصيات للخروج من الأزمة
وفي هذا السياق، دعا اعمارة إلى إعداد خطة وطنية شاملة لتدبير الجفاف، تقوم على نظام إنذار مبكر، وتحديد إجراءات دقيقة لكل مستوى من مستويات الخطر، مع إرساء آلية تنسيق فعالة لضمان توزيع عادل للمياه، مع إعطاء الأولوية لمياه الشرب والأمن الغذائي.
كما أوصى بإحداث هيئة مستقلة لتدبير الموارد المائية، تُعنى بالتخصيص الأمثل للمياه بين القطاعات والمجالات الترابية، وتقترح سياسة تسعير عقلانية تراعي ندرة المورد وقيمته، تحت إشراف المجلس الأعلى للماء والمناخ.
وشدد رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي على ضرورة تسريع مشاريع تحلية مياه البحر ضمن رؤية وطنية موحدة، وتعزيز إعادة استخدام المياه المعالجة في الفلاحة والصناعة وتغذية الفرشات المائية، إلى جانب دعم الجماعات الترابية في معالجة المياه العادمة وتجميع مياه الأمطار.
وختم اعمارة بالتأكيد على أهمية ترسيخ ثقافة الاقتصاد في الماء، عبر حملات تحسيسية موجهة لمختلف الفاعلين، وإدماج التربية على حماية الموارد المائية ضمن المناهج الدراسية، محذرًا من أن المستقبل المائي للمغرب “لن يُؤمَّن بالأرقام وحدها، بل بحكامة صارمة وقرارات شجاعة”.
التعاليق