أعداء “الارتقاء الاجتماعي” والمدرسة العمومية
آمنة ماء العينين
“الارتقاء الإجتماعي”، هذا المفهوم أثار جدلا في صياغته العربية وفي ترجمته الفرنسية، لكنه نجح في الصمود، فقد آمنا بكون المدرسة يجب أن تظل طريقَ الارتقاء الإجتماعي، المغاربة يترجمون المفهوم ببساطتهم “قْرا باش توصَلْ”، بمعنى: اذهب الى المدرسة مثلك مثل كل المغاربة، اجتهد وأثبت أنك الأكفأ، وستُفْسح الطريق أمامك للارتقاء الإجتماعي بفضل إمكانياتك، وهذا حقك.
تذكروا أننا كنا نسمع في الماضي عن أبناء الفقراء الذين يتفوقون دراسيا ثم يصلون إلى أعلى المناصب “بْذْراعهم”.
اليوم المدرسة في واقع الحال هي مدارس بصية الجمع، هناك مدارس البعثات والمدارس الخاصة في درجات ثم المدرسة العمومية، وللأسف، صار مستقبل كل واحد شبه محدد حتى قبل أن يبدأ الدراسة بناء على مدرسته ووسطه الإجتماعي ودخْل أسرته.
لست هنا طبعا في سياق مناقشة كون المستقبل بيد الله وحده فهذا مسلَّم به، لكن عناصر التحليل الاقتصادي والاجتماعي تؤكد أن الارتقاء الإجتماعي لا تحسمه المدرسة ولا تحسمه الكفاءة، وإنما يحسمه في أغلب الأحوال الانتماء الطبقي وموقع الوالدين ضمن دوائر النفوذ، فضلا عن إمكانيات الأسرة المادية.
دعونا نجري مقارنة: طفل مغربي ولد في حي الرياض في الرباط مثلا من أسرة ميسورة ذات نفوذ، يستيقظ صباحا في أفضل الشروط، يتغذى جيدا، يتدفأ جيدا، يمارس الرياضة في أرقى الأندية، يوصله سائق خاص لمدرسة أجنبية قريبة من مسكنه، هناك يحظى بأفضل المدرسين وأفضل المناهج وأفضل المقاربات اابيداغوجية مع التحفيز والأنشطة الموازية، ثم يُحضر له أساتذة الدعم في المنزل الفسيح. وحينما يحصل على الباكلوريا الأجنبية، يرسله والديه لأعرق الجامعات العالمية، ويؤدون لأجل ذلك مصاريف خيالية، وبعد استكماله المسار إما يعود مطلوبا في المغرب في أرفع المناصب بفضل CV وبفضل دعم الوالدين ونفوذهما أو يختار البقاء في نفس الدولة حيث درس. لاحظوا أننا هنا لا نتحدث عن الكفاءة، وحتى إن وجدت فقد تم صناعتها وتنشيطها وتمنيعها.
لنعد إلى طفل مغربي في نفس العمر، وُلد في جبال أزيلال أو تارودانت، وقارنوا المجهود الذي يبذله ليصل إلى المدرسة، بدون غذاء أو تدفئة أو دعم نفسي، وحتى حينما يصل، يجد مدرسة نعرف جميعا وضعها. لقد غاب تكافؤ الفرص حتى قبل ولوج الفصل. نعم تحدث الاستثناءات حينما يتأتى لأبناء الفقراء الهجرة إلى الخارج، حيث تلتقطهم أنظمة وأنساق وُجدت في معظمها للاحتفاء بالكفاءة والاستحقاق، حيث يتقلص أو ينعدم هامش المحسوبية ومنطق الكفالة المعنوية والطبقية. لذلك قلنا أن حُلمنا هو أن تعود المدرسة المغربية عنوانا لتكافؤ الفرص وطريقا للارتقاء الاجتماعي.
لنتأمل سحنات أمهات لاعبي المنتخب الرائعات، نساء مغربيات بسيطات وَجدن لأبنائهن فرصة النجاح والترقي في بنيات استقبال مختلفة، فصنعن الفرق مع أبناء يفتخرون بأمهاتهم في مجتمعات تُخلص أفرادها من العقد ومركبات النقص… شكرا لهن لكونهن أرضعن هؤلاء الأبطال الوطنية وحب مغرب لم ينشأوا فيه أو على الأقل لم يجدوا فيه طريقا للنجاح والترقي.
المغرب يحاول إنجاح التحول والإنتقال، وفي سبيل ذلك تبذل جهود لايجب التنقيص منها، لكنها تظل غير كافية، والأخطر انها تتعرض لمقاومة شرسة ممن يخشون منافسة الأكفاء والمستحقين الذين تمنعهم العوائق الموضوعة إراديا أمامهم من منافسة “المكفولين” من عديمي الكفاءة، لذلك علينا أن نعترف أن أكبر تحدي تواجهه منظومة الحكم والحكومة في المغرب، هو تحدي الكفاءة، حيث تسلم الأمورإلى غير أهلها في أغلب المجالات، يصولون ويجولون بفشلهم وعنجهيتهم، تاركين أصحاب الكفاءة والاستحقاق يتفرجون أو يهاجرون.
لذلك برافو للمدرب ابن الشعب وبرافو لوليدات المغرب الذين استفادوا من أنظمة أخرى، لكنهم أصروا على حمل القميص الوطني رغم كل شيء.
كما يفعل معظم المغاربة: يحبون هذا الوطن العظيم رغم كل شيء…
التعاليق