إفادة
إفادة
الإثنين 26 يناير - 07:54

أسعار السردين تبلغ 40 درهماً للكيلوغرام والمواطن البسيط يعاني

عاد سعر السردين، السمكة الأكثر حضوراً في المائدة المغربية، ليتصدر واجهة النقاش العمومي، بعدما بلغ مستويات غير مسبوقة تراوحت بين 30 و40 درهماً للكيلوغرام في عدد من الأسواق، وهو ما أربك استهلاك فئات واسعة من المواطنين، خاصة ذوي الدخل المحدود، في بلد يُعد من أغنى الدول بالأسماك السطحية الصغيرة. هذه الزيادات القياسية، التي يُرتقب أن تستمر خلال الأيام المقبلة، تأتي في سياق استثنائي يتقاطع فيه الضغط المناخي مع قرارات تنظيمية من جهة، وسلوكيات السوق والمضاربة من جهة أخرى، ما يفتح النقاش مجدداً حول الأسباب الحقيقية لهذا الغلاء: هل يتعلق الأمر بندرة طبيعية في الموارد، أم باختلالات في التدبير وسلسلة التوزيع؟

المعطيات المتوفرة تشير إلى أن قطاع الصيد البحري بالمغرب يواجه منذ سنة 2022 تراجعاً مقلقاً في كميات الأسماك السطحية، التي انتقلت من حوالي 1.3 مليون طن إلى ما يقارب 909 آلاف طن سنة 2025، أي بانخفاض يقارب 30 في المائة خلال ثلاث سنوات فقط. هذا التراجع لا يرتبط فقط بوتيرة الاستغلال، بل يتأثر بشكل مباشر بالتغيرات المناخية التي طالت التيارات البحرية، خاصة تيار الكناري الصاعد، الذي يشكل الأساس البيئي لوفرة السردين وباقي الأسماك السطحية على طول الساحل المغربي. اضطراب هذا النظام أدى إلى هجرة السردين نحو مناطق أبعد وأعمق بحثاً عن ظروف ملائمة، ما انعكس على حجم العرض في الموانئ التقليدية.

وفي هذا السياق، لجأت السلطات الوصية إلى فرض فترات للراحة البيولوجية ابتداءً من فاتح يناير 2026، شملت 46 يوماً بالساحل الأطلسي الأوسط و60 يوماً بالساحل الجنوبي، بهدف حماية المخزون وضمان تجدد الثروة السمكية. ورغم وجاهة هذا الخيار من الناحية البيئية، إلا أن أثره الاجتماعي كان واضحاً، إذ أدى إلى تقليص العرض بشكل حاد، خصوصاً أن الموانئ الواقعة شمال آسفي، مثل المهدية والدار البيضاء، لا توفر سوى كميات محدودة مقارنة بموانئ الوسط والجنوب، التي تشكل القلب الإنتاجي للسردين. وتُظهر معطيات الموانئ أن مفرغات السردين في الشمال لا تتجاوز ربع ما يتم تفريغه في الموانئ الوسطى، كما أن آخر عمليات بيع السردين في بعض الموانئ تعود إلى أكثر من أسبوع، بأسعار سجلت قفزات سريعة.

ورغم أن احتساب هوامش النقل والتوزيع قد يبرر نظرياً سعراً في حدود 30 درهماً للكيلوغرام عند المستهلك، فإن الأسعار المسجلة حالياً تكشف عن اختلالات أعمق في مسار التسويق. ففي الوقت الذي يُباع فيه السردين بالمزاد العلني في موانئ الشمال، يتم تسويقه بأسعار شبه ثابتة لا تتجاوز 3 دراهم للكيلوغرام في عدد من موانئ الجنوب، ما يخلق فجوة سعرية كبيرة تفتح الباب أمام المضاربة والتخزين، خاصة مع اقتراب شهر رمضان الذي يشهد تقليدياً ارتفاعاً كبيراً في الطلب على السردين الطري والمنتجات المجمدة.

وفي محاولة للحد من هذا الارتفاع، قررت السلطات تعليق تصدير السردين المجمد ووقف توجيهه نحو صناعة دقيق السمك، غير أن توقيت هذا القرار، الذي دخل حيز التنفيذ ابتداءً من فاتح فبراير 2026، أثار انتقادات واسعة، باعتباره جاء بعد انطلاق الراحة البيولوجية وبأسابيع قليلة قبل رمضان، دون أن يكون له أثر فوري على توازن السوق. ويرى مهنيون أن خيارات أخرى كانت ممكنة، من قبيل تقديم قرار تعليق التصدير أو تكييف مدة الراحة البيولوجية لتفادي الفراغ في العرض.

وفي المحصلة، يبدو أن أزمة السردين الحالية ليست طبيعية بالكامل. فإلى جانب العوامل المناخية والندرة الموسمية المعهودة في بداية السنة، تلعب سلوكيات بعض الوسطاء، وضعف آليات المراقبة، دوراً أساسياً في تفاقم الوضع. والنتيجة أن السردين، الذي ظل لعقود رمزاً للغذاء الشعبي في متناول الجميع، بات اليوم سلعة تثقل كاهل الأسر البسيطة، في انتظار حلول توازن بين حماية الثروة السمكية وصون القدرة الشرائية للمواطنين.

التعاليق

اكتب تعليقك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

المزيد من أخبار المغرب

تلفزيون الموقع

تابع إفادة على:

تحميل التطبيق